في الذكرى الخامسة عشرة لجمعة الغضب، تعود واحدة من أكثر القضايا الإنسانية قسوة وإيلامًا إلى الواجهة، مع استمرار جريمة الإخفاء القسري بحق المواطن محمد صديق توفيق عجلان، الذي غاب عن أسرته وعن المجال العام منذ يوم 28 يناير 2011، دون أي إعلان رسمي عن مكان احتجازه أو مصيره، في واقعة لا تزال مفتوحة على الألم والانتظار والقلق المستمر.

 

وتوثّق الشبكة المصرية لحقوق الإنسان هذه القضية باعتبارها نموذجًا صارخًا لجريمة الإخفاء القسري المستمرة، التي تمثل انتهاكًا جسيمًا للدستور المصري، والقوانين الوطنية، والمواثيق الدولية التي تحظر الاحتجاز خارج إطار القانون، وتُلزم السلطات بالإفصاح عن أماكن المحتجزين وضمان حقوقهم الأساسية.

 

من ميدان التحرير إلى الغياب الكامل

 

كان محمد صديق، البالغ من العمر آنذاك 35 عامًا، حاصلًا على بكالوريوس التجارة من جامعة حلوان، قد خرج للمشاركة في تظاهرات 25 يناير 2011، مدفوعًا بأحلام التغيير التي عمّت الشارع المصري في تلك الأيام. ووفق شهادات أسرته، ظل معتصمًا في ميدان التحرير حتى يوم جمعة الغضب 28 يناير، قبل أن ينقطع الاتصال به تمامًا عقب الأحداث العنيفة التي شهدها الميدان في ذلك اليوم.

 

ومع غيابه، بدأت الأسرة رحلة بحث مريرة امتدت لسنوات، جابت خلالها المستشفيات والمشارح وأقسام الشرطة، في محاولة للعثور على أي خيط يقود إلى معرفة مصيره، لكن كل الأبواب أُغلقت، وكل الأسئلة قوبلت بالصمت أو النفي.

 

مكالمة غامضة وتهديدات بلا إجابات

 

وفي تطور غامض ومقلق، تلقت الأسرة في 11 فبراير 2011، يوم جمعة التنحي، اتصالًا من هاتف محمد المحمول.

 

فُتح الخط دون أن يتحدث أحد، بينما كان يُسمع بوضوح صوت سيارة تتحرك وضجيج أصوات متداخلة، في مشهد أثار الذعر والأمل في آنٍ واحد. وتكرر هذا السيناريو ثلاث مرات في اليوم ذاته.

 

ولم يتوقف الغموض عند هذا الحد؛ إذ تلقّت الأسرة مساء اليوم نفسه اتصالًا آخر، ردّ فيه شخص مجهول، انهال عليهم بالسباب والتهديدات، دون أن يقدّم أي معلومة عن مكان محمد أو وضعه، ما زاد من الشكوك حول تعرضه للاحتجاز غير القانوني.

 

تأكيد غير رسمي.. وصمت طويل

 

وبناءً على نصائح من معارف، توجهت الأسرة للاستعلام عبر أحد الضباط، الذي أكد لهم – بحسب روايتهم – أن محمد حي يُرزق، لكنه رفض الإفصاح عن مكان احتجازه، مبررًا ذلك بالخوف من “إلحاق الضرر به”. ومنذ تلك اللحظة، انقطعت كل الأخبار، ودخلت القضية في دائرة الصمت التام، دون أي إجراء قانوني أو إعلان رسمي.

 

جريمة مستمرة ومسؤولية واضحة

 

تؤكد الشبكة المصرية لحقوق الإنسان أن استمرار إخفاء محمد صديق قسرًا على مدار أكثر من 15 عامًا يُعد جريمة مكتملة الأركان، لا تسقط بالتقادم، وتحمّل الجهات الأمنية المسؤولية الكاملة عن سلامته ومصيره.

 

وتطالب الشبكة النائب العام وكافة الجهات المعنية بالتدخل الفوري والعاجل، للكشف عن مكان احتجاز محمد، والإفصاح عن مصيره، وتمكين أسرته من حقوقها القانونية والإنسانية، ووقف معاناة امتدت لأكثر من عقد ونصف من القلق والألم والانتظار القاتل.

 

نداء للضمير العام

 

كما تناشد الشبكة كل من يمتلك معلومات، أو كان شاهدًا على واقعة القبض على محمد صديق أو احتجازه، بالتواصل معها، دعمًا للحق، وإنصافًا لأسرة لم تعرف للطمأنينة طريقًا منذ يناير 2011.

 

وفي ذكرى جمعة الغضب، تعود هذه القضية لتذكّر بأن بعض الملفات لم تُغلق، وأن العدالة لا تتحقق بالنسيان، وأن الحرية للمخفيين قسرًا تظل مطلبًا إنسانيًا وحقًا أصيلًا لا يسقط بالتقادم.