في اليوم الذي يفترض أنه مساحة للتأمل في جريمة هزّت ضمير إيطاليا والعالم، اختارت حكومة جورجا ميلوني أن تفرش السجادة الحمراء لوزير داخلية نظام متهم أمنيّوه بخطف وتعذيب وقتل الباحث جوليو ريجيني. زيارة محمود توفيق إلى روما، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لاختفاء ريجيني في القاهرة، لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل رسالة سياسية فجة: المصالح الأمنية والهجرة والغاز أهم من دم شاب إيطالي عُذِّب حتى الموت، وأهم من حق عائلته في الحقيقة والعدالة.
هذه المفارقة القاسية هي ما فجّر موجة غضب في الأوساط السياسية والإعلامية الإيطالية، بينما اكتفت القاهرة وروما ببيانات ناعمة عن “التعاون المثمر” و”مكافحة الهجرة غير الشرعية”، كأن جثة جوليو لم تُنتشل من طريق صحراوي في 2016 وعليها كل علامات مدرسة التعذيب المصرية.
زيارة فوق جراح مفتوحة
البيان الإيطالي تحدّث عن استقبال “دافئ” لوزير الداخلية المصري في مقر الوزارة، وركّز على التعاون في ملف الاتجار بالبشر والهجرة، دون سطر واحد عن ريجيني أو عن أربعة ضباط مصريين متهمين رسميًا بخطفه وتعذيبه وقتله.
في المقابل، بالغ البيان المصري في الإشادة بـ“النجاحات المتلاحقة للأمن المصري في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة”، وقدم الزيارة كدليل على ثقة أوروبا في الأجهزة الأمنية المصرية، متجاهلًا أن هذه الأجهزة نفسها هي المتهمة في روما بارتكاب واحدة من أبشع الجرائم ضد مواطن إيطالي.
هذا التواطؤ الخطابي لم يمرّ بهدوء في الداخل الإيطالي. قيادات من الحزب الديمقراطي والحركات اليسارية، مثل جياني كوبيرلو وأنجيلو بونيلي، اعتبرت استقبال وزير الداخلية المصري في هذا التوقيت “إهانة لذكرى ريجيني” و“خزيًا سياسيًا”، وسألت بوضوح: هل طلب الوزير الإيطالي من نظيره المصري تسليم المتهمين؟ أم أن “التعاون المثمر” يعني طيّ الملف مقابل تفاهمات أمنية واقتصادية؟
بينما تتحدث روما رسميًا عن “شراكة” مع القاهرة، يعيش والدا جوليو عامًا عاشرًا من الانتظار المرّ، يسمعان فيه رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا يصف قضية ابنهما بأنها “اختبار لصدقية دولة ديمقراطية في الدفاع عن حقوق مواطنيها”، لكنهما يشاهدان في الواقع حكومة تُدفن هذا الاختبار تحت طاولة الصفقات مع نظام عبد الفتاح السيسي.
عشر سنوات بلا عدالة والمتهمون طلقاء
قصة جوليو ريجيني باتت معروفة لكل متابع: باحث دكتوراه في جامعة كامبريدج جاء إلى القاهرة في 2015 لدراسة النقابات المستقلة، اختفى في 25 يناير 2016، ثم عُثر على جثته بعد تسعة أيام وعليها آثار تعذيب منهجي: كسور وكدمات وحروق سجائر وجروح توحي بتعذيب استمر أيامًا.
السلطات المصرية قدّمت رواية هزلية بقتل “تشكيل عصابي” له، ثم قتلت أفراد العصابة الخمسة في تبادل مزعوم لإطلاق النار، لتغلق الحلقة على متهمين موتى لا يتكلمون. لاحقًا تراجعت عن هذه القصة عمليًا، لكن من دون أن تعترف بكذبها أو تقدّم قتلة حقيقيين للعدالة.
النيابة الإيطالية، بعد سنوات من التحقيق، وجّهت الاتهام لأربعة من عناصر الأجهزة الأمنية المصرية، بينهم ضابط كبير في جهاز الأمن الوطني، بتهم خطف وتعذيب وقتل ريجيني. لكن القاهرة رفضت التعاون: لا عناوين رسمية لإعلان قرار الإحالة، ولا استجابة لمذكرات توقيف، ولا تسليم للمتهمين.
محكمة في روما حاولت بدء محاكمة غيابية في 2021، لكن الإجراءات تعطلت بسبب تعذّر إخطار المتهمين رسميًا، قبل أن يتدخّل القضاء الأعلى الإيطالي لاحقًا ويجيز استئناف المحاكمة رغم تعنت الجانب المصري. تُستأنف التحقيقات وتُعدّ الجلسات، لكن على الأرض لا شيء يتغير: الضباط المتهمون يمارسون حياتهم داخل مؤسساتهم، والدولة المصرية أغلقت الملف داخليًا في 2020 بحجة “عدم كفاية الأدلة”.
في هذا السياق، تصبح زيارة وزير الداخلية المصري لروما أشبه باستعراض فجّ للإفلات من العقاب؛ وزير يمثّل جهازًا متَّهَمًا في ملف قتل مواطن إيطالي، يدخل العاصمة الإيطالية من أوسع الأبواب، بينما المتهمون الأربعة محصَّنون خلف جدار من الرفض السياسي والقانوني المصري لأي تعاون حقيقي مع القضاء الإيطالي.
المصالح قبل العدالة: إيطاليا شريك في تبييض السجل الأمني
ما يفاقم الفضيحة أن هذه الزيارة لا تأتي في فراغ، بل في سياق تقارب مصري-إيطالي متسارع في ملفات الغاز شرق المتوسط، وصفقات السلاح، والتعاون في وقف قوارب المهاجرين القادمين من السواحل المصرية والليبية نحو إيطاليا.
روما تحتاج القاهرة شريكًا “صعبًا” لكنه مفيد في ضبط الحدود الجنوبية لأوروبا، والقاهرة تحتاج روما كنافذة على الاتحاد الأوروبي، ومُصدِّر سلاح، وشريك في استثمارات الطاقة. في هذه المعادلة، يتحول ريجيني إلى “إحراج دبلوماسي” يجب احتواؤه، لا جريمة دولة تستوجب مساءلة حقيقية.
الرسالة المزدوجة التي ترسلها الحكومة الإيطالية اليوم قاتلة: للعائلة الإيطالية التي تنتظر العدالة، بأن دم ابنها قابل للمساومة؛ وللنظام المصري، بأن أوروبا مستعدة لغض الطرف عن التعذيب والقتل إذا ضمنت عقود الغاز والتعاون الأمني.
في المقابل، يستثمر نظام السيسي هذه الصور والزيارات في الداخل لتلميع أجهزته الأمنية، وتقديم نفسه كحليف لا غنى عنه للغرب في “الحرب على الإرهاب” و“مكافحة الهجرة”، بينما السجناء السياسيون يملأون السجون، والانتهاكات الموثقة تتراكم في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية.
في ذكرى مقتل جوليو ريجيني، كان يمكن لإيطاليا أن تثبت أن العدالة أقوى من الحسابات الباردة، وأن كرامة مواطن واحد لا تُباع بثمن. لكنها اختارت أن تستقبل وزيرًا يمثل نظامًا يرفض حتى الآن الاعتراف بالحقيقة، فضلاً عن تسليم المتهمين.
هكذا، لا يقف نظام السيسي وحده في قفص الاتهام الأخلاقي، بل تقف معه حكومة تعلن بوضوح أن أمن الحدود والصفقات أهم من إنصاف ضحية تعذيب، وأن ذاكرة ريجيني يمكن أن تُختزل في فيلم وثائقي وكلمات رئاسية مؤثرة، ثم تُدفن تحت ركام “التعاون المثمر” مع قاتليه المحتملين.

