أعاد الجدل الحاد بين يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، وحسن هيكل، المصرفي ورجل الأعمال، فتح ملف الدين العام في مصر لكن بطريقة تكشف أزمة أعمق من مجرد اختلاف «مدرستين» اقتصاديتين؛ أزمة نخبة مالية تتصارع فوق أنقاض اقتصاد منهَك، بينما يغرق المواطن بين خدمة دين تتضخم، وأفكار «عبقرية» على الورق قد تتحول عملياً إلى مصادرة مقنَّعة لأصول الدولة وحقوق المودعين.
غالي يصف مقترحات مبادلة الدين بأصول الدولة بأنها «كلام فارغ»، وهيكل يرد متباهياً بأنه صاحب «فكرة جديدة لم تُطبَّق في أي دولة» وكأن هذا في حد ذاته فضيلة. وبين الطرفين، يحذر خبراء مثل مدحت نافع ومؤمن فندي من تحويل الكارثة الاقتصادية إلى ساحة استعراض للأنا والمكايدة، لا ساحة نقاش علمي وسياسي جاد.
غالي.. مهندس تراكم الديون يتحدث كأنه شاهد بريء
في مداخلته مع برنامج «المصري أفندي» على قناة الشمس، نسف يوسف بطرس غالي فكرة مبادلة الديون السيادية بأصول عقارية أو شركات حكومية، واصفاً إياها بأنها «كلام فارغ» لا يفهم أبجديات النظام المالي. كلامه من حيث المبدأ صحيح في نقطة محورية: ودائع الناس في البنوك ليست «أسهماً» في شركات الدولة، والمودِع يريد سيولة نقدية لا حصة في أصل غير سائل، ولا يجوز نظرياً أن تُحل أزمة دين حكومي على ظهر المدخرات الخاصة بهذه الخفة.
لكن المشكلة ليست هنا، بل في أن من يرفع الآن راية «العقلانية المالية» هو نفسه أحد أبرز مهندسي نموذج الاعتماد المكثف على الاقتراض في عهد مبارك، والنقل المنتظم لمدخرات المصريين من البنوك إلى خزينة الدولة عبر أذون وسندات الدين. اليوم يتحدث غالي عن خطورة الوصول إلى 11 تريليون جنيه ديوناً محلية و 164 مليار دولار ديوناً خارجية، وكأن هذا الجبل من الديون سقط فجأة من السماء، لا أنه جزء من مسار بدأ قبل 2011 وتواصل بعده بمنطق واحد: سد عجز الموازنة بالاستدانة لا بالإصلاح.
حين يهاجم غالي فكرة مبادلة الدين بالأصول بوصفها لا تستقيم ماليًا، فهو محق تقنياً، لكنه يتجاهل عن عمد أن الأزمة لم تولد من فراغ، وأن منطق «نستدين اليوم وندبّر غداً» هو بالضبط ما أوصل مصر إلى مرحلة يُطرح فيها أصل الدولة نفسه كضمان، أو كشيك مفتوح للدائنين. الحديث عن «النمو، والتصدير، وإحلال الواردات» كحلول واقعية يبدو جميلاً نظرياً، لكن السؤال الذي يتهرب منه غالي: لماذا لم تُبنَ هذه الاستراتيجية حين كان في موقع القرار؟ ولماذا لا يزال نفس النموذج – مع تغيّر الوجوه – هو المسيطر حتى الآن؟
غالي محق في رفض تحويل المودِعين إلى ملاك قسريين لأصول عامة، لكنه لا يبرّئ نفسه من مسؤولية تاريخية عن ترسيخ نموذج مالي جعل الدين الداخلي والخارجي هو القناة الرئيسية لتمويل الدولة، حتى صرنا أمام مأزق لا توجد فيه حلول سهلة ولا «نظيفة».
«المقايضة الكبرى».. حين تتحول الأزمة إلى «مكايدة كبرى»
على الجهة الأخرى من المشهد، يقف حسن هيكل مدافعاً باستماتة عن فكرته المعروفة إعلامياً بـ«المقايضة الكبرى»، مطالباً بإنشاء صندوق تُجمَع فيه أصول الدولة، ثم تُنقل الديون المحلية إلى البنك المركزي، وتُبادَل الأصول بهذه الديون، بما يشبه «غسلاً محاسبياً» لبنود المديونية على الورق، دون معالجة جذرية لسببها الأصلي.
اللافت أن هيكل لا يقدّم فكرته باعتبارها أداة استثنائية ذات نطاق محدود، بل كمسار شامل لـ«تصفير فوائد الدين» و«فتح الموازنة العامة»، ويذهب أبعد من ذلك حين يتباهى بأن عدم تطبيق الفكرة في دول أخرى «يُحسب له»، وكأن غياب السوابق الدولية ميزة لا جرس إنذار.
الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع وصف هذه النوعية من الطروحات بدقة، حين كتب:
«ما زال بعض الأصدقاء من أهل الصحافة يسألونني عن مقترحات طرحها خبراء يصفونها بـ«المقايضة الكبرى»… إلى أن استقر في يقيني أنها ليست سوى مكايدة كبرى!»
— Dr. Medhat Nafei د. مدحت نافع (@DrMnafei) January 29, 2026
نافع يذكّر بحقيقة بديهية: أزمة الدين ليست «أزمة أصول»، بل أزمة سياسات وإنفاق وإيرادات وثقة في الدولة. تحويل أصول عامة – بعضها استراتيجي وسيادي – إلى أداة سداد ظرفية، لا يحل المشكلة بل ينقلها إلى مستوى أخطر:
• التفريط في أصول لا تُعوَّض مقابل ديون تراكمت بسبب خيارات سياسية واقتصادية خاطئة.
• إرسال إشارة كارثية للأسواق بأن الدولة مستعدة للتصرف في أصولها لتجميل أرقام الدين، بدل إصلاح مسارها المالي.
• خلق تضارب مصالح حاد بين دائنين جدد مرتبطين بأصول حيوية وبين المصلحة العامة للمجتمع.
هيكل، في ردوده، يتحدّى أساتذة الاقتصاد والبنوك أن يواجهوه «على الهواء»، ويتحدث عن البنك المركزي الياباني كمثال لامتلاك الأسهم، متجاهلاً أن اليابان دولة ذات اقتصاد متقدم، ومؤسسات قوية، وعملة احتياطية، وأن التدخل الاستثنائي لبنكها المركزي في سوق الأصول جاء في سياق أزمة مختلفة كلية، وتحت رقابة سياسية وشعبية لا وجود لها في مصر.
بين «الكلام الفارغ» و«المقايضة الكبرى».. أين نقاش الدين الحقيقي؟
وسط هذا السجال، يلتقط الصحفي مؤمن فندي جوهر المشكلة: ليست في أن غالي يهاجم وهيكل يدافع، بل في أن النقاش كله يدور داخل دائرة ضيقة من النخبة المالية، بعيداً عن مساءلة سياسية حقيقية وعن المجتمع الذي يدفع الفاتورة.
كتب فندي: «في خضم الجدل حول إدارة الدين العام في مصر طرح يوسف بطرس غالي انتقادات قوية… بينما حسن هيكل يدعو إلى رؤية جريئة تُعرف بالمقايضة الكبرى… ندعو اليوم لفتح حوار اقتصادي جاد بين الفريقين (خبراء، صناع قرار، ومجتمع اقتصادي) بعيدًا عن التشنج… عشان الناس خلاص بتسقط من شبكة الفقر إلى القاع وربنا يستر… ياريت حاجة جد تليق بمصر كبلد وليس بطريقة طلاب ثانوي».
هيكل ضد غالي
— Mamoun Fandy (@mamoun1234) January 28, 2026
في خضم الجدل حول إدارة الدين العام في مصر طرح يوسف بطرس غالي انتقادات قوية لفكرة مبادلة الديون بأصول معتبرًا أنها غير قابلة للتطبيق العملي وتتنافى مع مبادئ السيولة وحقوق المودعين، بينما حسن هيكل يدعو إلى رؤية جريئة تُعرف بالمقايضة الكبرى تهدف إلى تصفير فوائد الدين…
الواقع أن كلا المعسكرين يتعامل مع الدين كأنه معادلة مالية مجردة:
• غالي يطالب بالعودة إلى «الحلول التقليدية المجربة» وكأننا لم نجرّب بالفعل عقوداً من الاستدانة والانكماش والخصخصة.
• هيكل يقترح «هندسة مالية» تضع أصول الدولة في قلب لعبة مقايضة محفوفة بالمخاطر، وكأن المشكلة في شكل القيد المحاسبي لا في جوهر النموذج الاقتصادي نفسه.
ما يغيب فعلياً عن هذا الجدل هو:
1. من يتحمل مسؤولية الوصول إلى هذا الحجم من الدين أصلاً؟
2. كيف تُدار الأولويات في الموازنة بين خدمة الدين، والصحة، والتعليم، والأجور؟
3. أين البرلمان، وأين الشفافية، وأين حق المجتمع في معرفة كلفة كل خيار ومَن المستفيد منه؟
حين يصل الدين المحلي إلى أكثر من 11 تريليون جنيه، ويُطلَب من الناس أن يصدّقوا أن الحل إما «مزيد من السياسات التقليدية» على طريقة غالي، أو «مقايضة كبرى» على طريقة هيكل، فالمشكلة لم تَعُد اقتصادية فقط، بل سياسية وأخلاقية.
اللحظة لا تحتاج إلى «عبقرية زائفة» ولا إلى استعراض شطارة على الشاشات، بل إلى اعتراف صريح بأن نموذج إدارة الدين في مصر – قديمه وجديده – وصل إلى حائط مسدود، وأن أي نقاش جاد لا بد أن يبدأ من سؤال بسيط ومزعج: من الذي راكم هذا الجبل من الديون؟ ومن يدفع الآن ثمن إنقاذ نظام اقتصادي ومالي استفاد منه قلة… بينما يسقط الملايين من شبكة الفقر إلى القاع؟

