يتجدد كل عام مع اقتراب شهر رمضان الجدل حول توحيد بداية الصيام بين المسلمين، لكن النقاش هذا العام حمل أبعاداً سياسية أوضح، بعد تفاعل كتاب ونشطاء مع فكرة ربط مطلع رمضان بفلسطين، والتساؤل عن معنى وحدة الأمة في ظل واقع اقتصادي وسياسي شديد التناقض، بين خطاب ديني عن «أمة واحدة» وأرقام ضخمة للتبادل التجاري مع الاحتلال يتداولها المنتقدون على مواقع التواصل.
رمضان على توقيت فلسطين.. بين الحلم والأرقام
الكاتب الصحفي وائل قنديل طرح، في تدوينة على منصة «إكس»، تصوراً رمزياً لوحدة سياسية ودينية، قال فيه إنه رأى «فيما يرى الحالم» أن حكام أمة الملياري مسلم قرروا توحيد مطلع رمضان هذا العام على توقيت فلسطين، معتبراً أن هذا الموقف يمثل «أضعف الإيمان» في مواجهة التغول الصهيوني في أراضي الضفة الغربية، قبل أن يذكّر في نهاية التدوينة بأن هذه الأمة نفسها ترتبط مع الكيان بعلاقات تجارية بمليارات الدولارات حتى أثناء الحرب على غزة.
رأيت فيما يرى الحالم أن حكام أمة الملياري مسلم قرروا توحيد مطلع رمضان هذا العام على توقيت فلسطين موقفًا يمثل أضعف الإيمان بمواجهة التغول الصهيوني في أراضي الضفة
— wael kandil (@waiel65) February 17, 2026
لكني تذكرت أنها أيضًا أمة الستة مليارات دولار تجارة مع الكيان أثناء حرب الإبادة
هذا الجمع بين الحلم الرمزي والواقع الاقتصادي يسلط الضوء على فجوة يراها كثيرون بين الخطاب الرسمي عن دعم فلسطين وبين السلوك العملي لدول كبرى في المنطقة، حيث تستمر التجارة المباشرة وغير المباشرة، وتتواصل اتفاقيات الغاز والتطبيع، في الوقت نفسه الذي يطرح فيه إعلاميون وكتّاب صوراً عن وحدة موحدة على «توقيت القدس»، ما يجعل سؤال المصداقية حاضراً، ويضع قرار توحيد بداية الصيام – لو حدث – في خانة الإشارة الرمزية أكثر منه تغييراً حقيقياً في موازين القوة أو مستويات الدعم الفعلي للفلسطينيين على الأرض.
الخلاف على المطالع.. حدود سايكس بيكو في قلب النقاش
في اتجاه موازٍ، كتب حساب «الهاشمي» تعليقاً اعتبر فيه أن مسألة اختلاف بدايات الصيام بين الدول ليست قضية شرعية بقدر ما هي سياسية، مؤكداً أنه لو كانت الجزيرة العربية كلها دولة واحدة وصام أهل عدن بعد رؤية الهلال، لصام معهم أهل الشام دون إشكال، وأن مسألة اختلاف المطالع كانت تُذكر قديماً عندما كان التواصل صعباً، وهو ما لم يعد قائماً في ظل وسائل الرصد الحديثة وسهولة انتقال الأخبار.
المعذره للجميع لكن المسئله سياسيه و ليست شرعيه لأن لو كانت الجزيره كلها دوله واحده و تمت رؤية الهلال في عدن لَصام اهل الشام
— الهاشمي (@j7am_3) February 17, 2026
و مسئلة اختلاف المطالع كانت موجوده عندما كان التواصل صعب بين مطلع و اخر فهذه ليست بحجة في زمننا
باختصار قولوا إن سبب الاختلاف هي حدود سايكس بيكو لا غير https://t.co/aQvBr40ZOI
الخلاصة التي يقدمها صاحب هذا الرأي هي أن سبب الاختلاف اليوم في بدايات رمضان يعود – في رأيه – إلى حدود سايكس بيكو وتقسيمات الدول الوطنية، لا إلى اجتهادات فقهية بحتة، بما يعني أن الأنظمة السياسية تستخدم الغطاء الشرعي لتبرير استقلال قرارها الوطني، بينما الواقع التقني يسمح نظرياً بتوحيد الرؤية في مناطق واسعة، إن توفرت إرادة سياسية حقيقية، وهو طرح يعيد النقاش إلى جذوره المرتبطة بفكرة «الأمة» وموقعها بين الفقه والسياسة وحدود الدولة الحديثة.
هذه المقاربة تلفت إلى أن الإصرار على تبرير تعدد المطالع دينياً قد يخفي في الخلفية تمسكاً بمفهوم السيادة القُطرية أولاً، وأن الجدل الفقهي المتكرر كل عام يتحول إلى ستار يحجب حقيقة أن القرار النهائي مرتبط بالحكومات، وأن وحدة الإعلان أو اختلافه تعبير في جانب منه عن طبيعة العلاقات بين الأنظمة وموازين القوى الإقليمية، أكثر مما هو نتيجة مباشرة لنقاش علمي بين الفقهاء أو خبراء الفلك.
مرجعية السعودية.. دعوات لوحدة القرار واختبار عملي لفكرة «الأمة»
في الاتجاه المقابل، يعبّر المغرد «علاء» عن رؤية مختلفة ترى أن وحدة الأمة الدينية تستدعي اتباع قرار دولة بعينها في إعلان بداية الصيام، ويقول صراحة إنه إذا أعلنت السعودية أن رمضان يوم الأربعاء فعلى جميع المسلمين في بقاع الأرض اتباع السعودية، مبرراً ذلك بأن «رمضان واحد والدين واحد والقمر واحد والرؤية واحدة»، وهو ربط مباشر بين المرجعية الدينية ومركزية قرار دولة محددة في الشأن الإسلامي العام.
إذا أعلنت السعودية بأن رمضان يوم الأربعاء فعلى جميع المسلمين في بقاع الأرض اتباع السعودية لأن رمضان واحد والدين واحد والقمر واحد والرؤية واحدة pic.twitter.com/HMYInBe1s1
— علاء الروحي (@ALAA_ALROHY) February 16, 2026
هذا الطرح، الذي يلقى تأييداً في أوساط ترى أن الحرمين يمنحان السعودية وضعاً خاصاً، يفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول طبيعة القيادة الدينية والسياسية في العالم الإسلامي، وحول مدى استعداد بقية الدول لقبول مرجعية عملية في ملف يتجاوز حدودها الوطنية، في وقت تصر فيه حكومات عديدة على امتلاك قرار مستقل في المسائل السيادية، بما فيها إعلان المناسبات الدينية، وهو ما يجعل دعوات التبعية الكاملة لقرار الرياض، أو غيرها، تصطدم بخريطة مصالح وحسابات محلية وإقليمية معقدة.
كما تكشف هذه الآراء عن تباين في فهم معنى «وحدة الأمة»؛ فبين من يربطها بموقف سياسي موحد تجاه فلسطين، كما يلمّح وائل قنديل، ومن يردّ اختلاف بدايات الصيام إلى حدود سايكس بيكو كما يقول «الهاشمي»، ومن يدعو إلى اتباع السعودية باعتبارها مرجعية دينية، يظل القاسم المشترك أن الجدل حول هلال رمضان لم يعد نقاشاً فقهياً وتقنياً فحسب، بل مرآة مكثفة لصورة العالم الإسلامي اليوم؛ أمة تُقدَّم في الخطاب باعتبارها جسداً واحداً، بينما تعيش عملياً وفق خرائط سياسية واقتصادية متباعدة، تظهر فيها فلسطين كاختبار دائم لصدق الشعارات، ولقدرة هذه الأمة على تجاوز حدودها المرسومة والتصرف ككيان واحد ولو فى حدّه الأدنى الرمزي.

