بعد 15 عامًا على اندلاع ثورة 25 يناير، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على السلطة والقرار السياسي، بل على الذاكرة والرواية: هل كانت تلك الأيام العظيمة انتفاضة شعب لاستعادة وطنه وكرامته، أم “مؤامرة لإسقاط الدولة” كما يردد الذراع الأمني أحمد موسى وأمثاله؟
في هذا الاشتباك بين ذاكرتين، تبرز يوميات الكاتب الصحفي وائل قنديل عن الفترة من 25 إلى 29 يناير كوثيقة وجدانية وأخلاقية تصر على أن الثورة كانت “صلاة جماعية” وميلادًا جديدًا لمصر، في مواجهة ماكينة إعلامية تحاول شيطنتها وإعادة تدوير الأكاذيب عنها.
وفي الجهة المقابلة، تأتي منصة “صحيح مصر” لتفكك، بالأرقام والوثائق الرسمية، ادعاءات أحمد موسى حول اللجان الشعبية والتوظيف الحكومي وهدف الثورة نفسه.
وائل قنديل ويوميات الثورة الحية
يرسم وائل قنديل في يومياته صورة لثورة 25 يناير كأعظم ما عاشته مصر في تاريخها الحديث: 25 يناير عنده ليس مجرد مظاهرة، بل “الورد الذي فتح في جناين مصر”؛ شباب يملأون شارع البطل أحمد عبد العزيز، يهتفون لمصر أولًا، ويقدمون سلامة الوطن على أي مكسب سياسي.
الثورة هنا ليست “فوضى” بل اصطفاف أخلاقي: سفينة إنقاذ ترفع علم البلد وتحمل معها وعدًا بحياة أكثر عدلًا ونقاءً.
في 27 يناير، تتحول اللغة إلى ما هو أعمق: “مصر تتوضأ”. البلد، كما يصفها، قامت من نوم طويل، واغتسلت من الخوف، واستعدت لصلاة الثورة.
لا أحزاب تتصدر المشهد، ولا أيديولوجيات تتعارك؛ بل شعب يستعيد ملكيته لبلده من خاطفيه. هنا يؤكد قنديل أن الثورة لم تكن مجرد احتجاج على الغلاء أو البطالة، بل محاولة استرداد المعنى نفسه: من يحكم البلد؟ ولمصلحة من تُدار الدولة؟
وعندما يصل إلى 28 يناير – جمعة الغضب، يستعيد دور محمد البرادعي كأحد العوامل التي حركت المياه الراكدة قبل عامين، دون أن يُنزهه عن الأخطاء.
يرفض قنديل سردية “ركوب الموجة”، ويرى أن دخول البرادعي إلى المعادلة أسهم في تحويل الغضب الشعبي إلى فكرة سياسية واضحة، بينما يحمّل مسؤولية “تجارة اللحظة الثورية” إلى من يسميهم بـ“تجار الكانتو” من الأحزاب التي كانت نائمة في حضن الحزب الوطني ثم ادعت البطولة بعد أن انتصر الشارع.
وفي 29 يناير، تصبح السويس عنوان المأساة والبطولة معًا. يرسم قنديل ما جرى هناك كجريمة حرب مكتملة الأركان: مدينة تطالب بالإصلاح، فتُعاقَب بالغاز والرصاص، وتُقطع عنها الاتصالات، ويُحرم أهلها حتى من توديع شهدائهم.
يرى أن السلطة لا تحتمل رؤية السويس شريفة وصامدة، وأن الإعلام الرسمي خان المدينة حين ملأ الهواء بأحاديث رموز الحزب الوطني، وترك السويس تنزف وحدها.
بهذا المعنى، يوميات وائل قنديل ليست نصًا حنينيا، بل مقاومة مكتوبة لمحاولة شطب الثورة من الوعي العام، وإصرار على أن تلك الأيام كانت ذروة أخلاقية لشعب خرج يطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لا لإسقاط “الدولة” كما يتهمون.
اللجان الشعبية بين حقيقة الناس ورواية الذراع الأمني
أحمد موسى قدّم، في إحدى حلقات برنامجه “على مسئوليتي”، رواية تزعم أن اللجان الشعبية التي ظهرت أثناء الثورة كانت ميليشيات منظمة مسبقًا، وكأن الناس نزلوا إلى الشوارع بسيناريو سري مسبق التجهيز.
هنا تدخلت منصة “صحيح مصر” لتفند هذه المزاعم، مستندة إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق 2011 وإلى تغطيات صحفية في “المصري اليوم” و“الوفد” ووسائل دولية، لتؤكد أن هذه اللجان كانت مبادرات عفوية من سكان الأحياء بعد الانسحاب المتعمد لقوات الشرطة يوم 28 يناير، واقتحام السجون وإطلاق المساجين.
وثائق اللجنة، كما تنقلها المنصة، تشير بوضوح إلى أن الانفلات الأمني لم يكن “نتيجة الثورة”، بل نتيجة انسحاب ممنهج لقوات الأمن، وإطلاق بلطجية لترويع الناس ودفعهم لكره الميدان والثوار. ظهرت مقاطع مصورة لضباط يخلعون زيهم الرسمي أمام مستشفى القصر العيني وغيره، في مشاهد تجسد قرارًا سياسيًا بترك الشارع بلا حماية.
في هذا الفراغ، خرج الناس بالسكاكين والعصي وأي شيء متاح ليقيموا حواجز شعبية ويحرسوا شوارعهم ومنازلهم. صحف عربية ودولية وثقت كيف لعبت هذه اللجان دورًا حاسمًا في حماية الأحياء من السلب والنهب، وفي تنظيم المرور، بل وفي حماية بعض أقسام الشرطة من الانتقام.
رواية أحمد موسى عن “ميليشيات منظمة” تحاول تحويل أشرف ما فعله الناس وقت الخطر إلى تهمة. بينما الحقيقة أن هذه اللجان كانت شهادة على أن المجتمع قادر على حماية نفسه حين تتخلى السلطة عن واجبها، بل وتتواطأ على أمنه. وهنا تلتقي يوميات وائل قنديل مع تدقيق “صحيح مصر”: الثورة كانت فعلًا شعبيًا واسعًا منظمًا ذاتيًا، لا مؤامرة من جماعات مسلحة في الظل.
أكاذيب الأرقام ومحاولة تشويه هدف يناير
ادعاء أحمد موسى بأن “مؤسسات الدولة عيّنت أكثر من مليوني موظف بعد 2011” لا يصمد أمام الأرقام الرسمية التي يستند إليها تدقيق “صحيح مصر”.
فبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء توضح أن عدد العاملين في القطاع الحكومي ارتفع من نحو 5.654 مليون موظف عام 2009/2010 إلى حوالي 5.752 مليون في 2013/2014؛ أي زيادة تقارب 98 ألف موظف فقط، بينما زاد عدد العاملين في القطاعين العام والأعمال العام بنحو 100 ألف، ليكون إجمالي الزيادة في أربع سنوات حوالى 198 ألفًا لا مليوني موظف.
الفارق بين 198 ألف ومليوني موظف ليس خطأً بريئًا، بل مبالغة مقصودة تهدف إلى تحميل الثورة مسؤولية تضخم الجهاز الإداري، مع أن الأرقام تثبت أن التوسع الكبير في التعيينات تم قبل الثورة وبعد الانقلاب، لا في سنوات يناير القصيرة.
الأخطر من ذلك هو ادعاؤه أن “هدف ثورة يناير كان إسقاط الدولة لا النظام”. الوثائق التي تعود إلى الأيام الأولى للدعوة عبر صفحة “كلنا خالد سعيد” واضحة: المطالب كانت إلغاء حالة الطوارئ، إقالة وزير الداخلية حبيب العادلي، وتحديد مدة الرئاسة بفترتين؛ أي إصلاح سياسي عميق ضمن إطار الدولة، لا هدمها. مطلب “إسقاط النظام” لم يظهر إلا بعد الدم الأول في السويس وسقوط شهداء برصاص الشرطة، وفق توثيق صحفي وحقوقي واسع.
ثم تأتي المفارقة الأكبر: الدستور المصري نفسه، في ديباجته، يعترف بثورة 25 يناير (مع 30 يونيو) كثورة نادت بـ“العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية”، واعتبرها امتدادًا لمسيرة طويلة من نضال المصريين.
بل إن عبد الفتاح السيسي قال في خطاب عام 2016 إن شباب الثورة ضحّوا بأرواحهم لإحياء قيم نبيلة وبناء مصر جديدة – وهي شهادة رسمية تناقض تمامًا رواية أحمد موسى عن “إسقاط الدولة”، وتفضح كونها مجرد أداة في معركة تخوين مستمرة.
هكذا يكشف الجمع بين ذاكرة وائل قنديل وتفنيد صحيح مصر أن الصراع اليوم ليس فقط على تأويل الماضي، بل على حق المجتمع في أن يتذكر ثورته كما كانت: غضبًا نبيلًا بحثًا عن الحرية، لا جريمة يجب محوها من الوجدان.

