في تعليق قصير لكنه فاضح، نشر المحامي الحقوقي جمال عيد صورة من جريدة قديمة للجنة تقصي حقائق عن انتهاكات ثورة يناير، ثم كتب: «ضمن مزايا الجرائد المطبوعة، عدم إمكانية حذفها من على الإنترنت أو تحريفها، هذه اللجنة كانت برئاسة قاضٍ اسمه عمر مروان»، في إشارة إلى أن وزير العدل الحالي كان يرأس لجنة رسمية أقرت بجرائم جسيمة ارتُكبت ضد الثوار، قبل أن يتحول هو والنظام كله إلى إنكار وتجريم للثورة نفسها.

 

هذا التناقض بين وثائق 2011 وخطاب 2026 هو المدخل الذي ينطلق منه معارضون بارزون مثل جمال عيد، جمال حشمت، وليد شرابي، أسامة جاويش، ومعتز مطر، ليرسموا رواية متقاطعة مفادها: أن السيسي لم يكن فقط «منقلبًا» على أول رئيس منتخب، بل كان – هو ومن خلفه من أجهزة – طرفًا أساسيًا في إفشال ثورة يناير منذ أيامها الأولى، تحت لافتة «الطرف الثالث» الغامض.

 

«الطرف الثالث» وورثة مبارك.. ثم الانقلاب

 

في مقال طويل كتبه عام 2014 عن تجربة يناير، يقرّ جمال عيد بأن جزءًا من خطأ معسكر الثورة كان تصديقهم لأسطورة «الطرف الثالث» الذي كان «يحصد الأرواح»، بينما بقي «ورثة مبارك» في مواقعهم داخل أجهزة الدولة.  لاحقًا، ومع اتضاح مسار 3 يوليو ومذابح رابعة والنهضة، أصبحت هذه الأسطورة – في رأيه – غطاءً سياسياً وأمنياً لإعفاء الأجهزة الرسمية من المسؤولية عن القتل، وتحويل الجريمة إلى لغز بلا فاعل.

 

اليوم، حين ينشر عيد صورة من جريدة رسمية تعود لأبريل 2011، تورد خلاصات لجنة تقصي الحقائق حول قتل المتظاهرين وتعذيب المعتقلين، ويذكّر بأن رئيسها كان عمر مروان – وزير العدل الحالي – فهو يقول ضمنيًا إن الدولة تعرف الحقيقة منذ اليوم الأول: من أطلق النار ومن أمر ومن تستر، لكن نفس الشخص الذي وثّق، يشارك الآن في خطاب يجرّم يناير و«يُبيّض» صفحة السلطة.

 

في هذا السياق، يصبح حديث السيسي المتكرر عن «الدم» و«لن أقابل ربنا بدم» بالنسبة لعيد ولغيره مجرد محاولة متأخرة للهروب من سؤال المسؤولية، لا سيما بعد أن تحوّل «الطرف الثالث» من حكاية إعلامية إلى بنية كاملة من القتل والإخفاء والتعذيب، ترعاها مؤسسات رسمية تحت لافتة «الحرب على الإرهاب»، كما وثّقته منظمات حقوقية مصرية ودولية متكرراً منذ 2013.

 

«السيسي وفريقه كانوا الطرف الثالث.. ثم نفّذوا الانقلاب»

 

القيادي وعضو البرلمان السابق د. جمال حشمت قدّم واحدة من أوضح الصيغ الاتهامية في هذا الملف. في مقال مطوّل بعنوان «مصر بعد الثورة والآن وإلى أين؟» كتب أن ما سُمّي وقتها بـ«الطرف الثالث» لم يكن كائنًا غامضًا، بل كان – بحسب تعبيره – «السيسي وفريقه وقتها» الذين عملوا على إضعاف الثورة وإرباك المشهد، تمهيدًا للانقلاب العسكري الدموي الذي رأى أنه خدم المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى.

 

لاحقًا، وصف حشمت السيسي بأنه «صانع الإرهاب في مصر» وأنه «يدير إبادة جماعية» بحق المعارضين، مؤكدًا أن ما جرى منذ 3 يوليو هو مشروع منظم لاستئصال مسار يناير بالكامل، لا مجرد انحراف سياسي عابر.  وفي حوار مع عربي21 عام 2016، اعتبر أن استبدال السيسي بعسكري آخر «التفاف على الثورة» وأن جوهر الصراع هو بين حكم العسكر وإرادة الشعب، لا بين أشخاص.

 

المستشار وليد شرابي – أحد رموز تيار استقلال القضاء سابقًا، والأمين العام للمجلس الثوري المصري – يضع الأمور في إطار مشابه. في مقابلة مع عربي21 عام 2017، قال إن جزءًا من المعارضة يقبل بالانقلاب لكنه يرفض فقط شخص السيسي، بينما جوهر المشكلة في رأيه هو الانقلاب العسكري نفسه الذي أطاح بشرعية يناير وبالرئيس المنتخب.

 

شرابي يرفض أي «مصالحة مع العسكر» قبل ثورة جديدة و«قصاص» لمن قتلوا المصريين، ويرى أن ما جرى منذ موقعة الجمل، مرورًا بأحداث محمد محمود وماسبيرو ورابعة، لم يكن سلسلة حوادث منفصلة، بل مسارًا واحدًا قاده تحالف عسكري–أمني–إعلامي، تضررت مصالحه من ثورة يناير فعمل على خنقها خطوة خطوة.

 

في مداخلة له على الجزيرة، دعا شرابي الجاليات المصرية في الخارج إلى محاصرة مقرات إقامة السيسي في زياراته الدولية، معتبرًا أن هذه التحركات «تنال وتحطّ من قدر قائد الانقلاب العسكري أمام العالم»، وتُذكر بأن ملفات الدم والانقلاب لن تُطوى بالنسيان أو التطبيع.

 

بكلمات أخرى، في رواية حشمت وشرابي، لم يبدأ دور السيسي في فشل يناير حين ظهر على شاشات التلفزيون في 3 يوليو، بل قبل ذلك بسنوات، حين كان جزءًا من ماكينة «الطرف الثالث» التي أطلقت البلطجية والرصاص، ثم قدّمت نفسها لاحقًا كمنقذ من الفوضى التي صنعتها بيديها.

 

من موقعة الجمل إلى رابعة.. «جرائم نظام الطرف الثالث»

 

على مستوى الإعلام المعارض، يتصدّر أسامة جاويش ومعتز مطر واجهة الخطاب الذي يربط بين «الطرف الثالث» وعبد الفتاح السيسي بشكل مباشر. في إحدى حلقات برنامجه على قناة مكملين، حمل جاويش عنوانًا صريحًا: «مصر النهاردة يثبت الطرف الثالث في أحداث ثورة يناير… ما علاقة السيسي؟»، مقدّمًا تسلسلًا للأحداث من موقعة الجمل إلى اقتحام الميادين بالقوة، ومشيرًا إلى دور الأجهزة الأمنية والعسكرية في إدارة «العنف المجهول» الذي كانت تنسبه السلطة وقتها لقوى مبهمة.

 

في حلقة حديثة عن خطاب السيسي في عيد الشرطة، لخّص جاويش كلمته بوصفه: «لص سارق ومجرم قاتل ومخادع كاذب… ده ملخص خطاب السيسي»، وربط بين كثرة حلفه بالله وبين ما يسميه «حالة ذعر من الحساب»، سواء عن مجازر رابعة والنهضة أو عن الفشل الاقتصادي الذي دمّر حياة ملايين المصريين.

 

معتز مطر، من جانبه، جعل من شعار «اطمن.. أنت مش لوحدك» وحملة «استمارة عزل السيسي» أدوات تعبئة مستمرة ضد النظام، متهمًا إياه بتوظيف «الطرف الثالث» كستار لكل الجرائم التي لا يريد أن يتحمل مسؤوليتها.  في تغطياته لمذابح مثل مسجد الروضة، أو حوادث العنف الطائفي، كثيرًا ما يكرر أن المستفيد الوحيد من هذه الدماء هو نظام السيسي، وأن منطق «الطرف الغامض» لم يعد مقنعًا بعد كل ما تكشف من تسليح للبلطجية وتوظيف للفوضى لتبرير الحكم الحديدي.

 

في هذا الخطاب، لا يعود «الطرف الثالث» لغزًا يحتاج إلى لجان تقصي حقائق جديدة، بل يصبح اسمًا حركيًا لتحالف الأجهزة السيادية ورجال الأعمال والإعلام الذي ظهر إلى العلن في 3 يوليو 2013، وانتهى إلى مشهد رئيس يبرر اليوم، في ذكرى الثورة، ما فعله بالأمس من قتل وإعدام وسجن، بينما تتسرب من الأرشيف وثائق وصور وتسجيلات تُكذّب روايته الرسمية.

 

من الطرف الثالث إلى القائد الأوّل.. الرواية المضادة ليناير

 

ما يجمع بين جمال عيد، جمال حشمت، وليد شرابي، أسامة جاويش، ومعتز مطر، رغم اختلاف خلفياتهم السياسية، هو خيط واحد واضح:

 

أن ثورة يناير لم تسقط لأنها «فوضى شبابية ساذجة»، بل لأن تحالفًا من بقايا نظام مبارك داخل الجيش والأمن والقضاء والإعلام – كان السيسي جزءًا منه – عمل منذ الأيام الأولى على إنتاج الفوضى، وصناعة «الطرف الثالث»، ثم استثمار الدم والخوف لتبرير الانقلاب.

 

في هذه الرواية، دور السيسي في فشل الثورة يبدأ من لحظة إدارة «الشغل الشمال» في الشوارع والميادين، مرورًا بموقعة الجمل وإدارة الملفات الأمنية كمدير للمخابرات الحربية، وصولًا إلى لحظة الظهور العلني كقائد انقلاب ثم كرئيس «منتخب» تحت فوهات البنادق. وما بين البداية والنهاية، كان «الطرف الثالث» مجرد اسم مهذب لوجه واحد معروف: سلطة لم تغادرها روح مبارك، وإن تغيّر الرأس.

 

هذه ليست أحكام محكمة، لكنها شهادات وروايات موثّقة لمعارضين حقيقيين، يضعون أمام القارئ صورة أخرى مغايرة تمامًا لما يرويه إعلام السلطة عن «إنقاذ الدولة» و«حماية الشعب». بين الجريدة القديمة التي يذكّرنا بها جمال عيد، ومقاطع الفيديو التي يبثها جاويش ومطر، وكتابات حشمت وشرابي عن الانقلاب والقصاص، تتكوّن أرشيفًا مضادًا لقراءة ثورة يناير: أرشيف يقول إن «الطرف الثالث» لم يكن يومًا مجهولًا… بل كان يستعد منذ تلك اللحظة ليصبح «الحاكم».