في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، وفي حين صمتت شوارع القاهرة في استحضار الهتاف القديم "الشعب يريد إسقاط النظام"، حملت العاصمة البريطانية لندن نصيبها من الذاكرة والغضب.
فقد نظم المجلس الثوري المصري وحملة حرية في بريطانيا سلسلة فعاليات ووقفات احتجاجية في قلب المدينة، أمام مجلس العموم البريطاني وبجوار ساعة "بيج بن" وفي مناطق مكتظة بالزوّار، ليذكّروا العالم بأن ملف المعتقلين والحقوق والحريات في مصر لم يُغلق، وأن جيلًا جديدًا – من داخل البلاد وخارجها – ما زال متمسكًا بروح يناير، ولو عبر منشور ومنشور ومظاهرة في الغربة.
لندن تتزين بلافتات الحرية: وقفات أمام البرلمان وبيغ بن من أجل المعتقلين
اختار المنظمون في لندن أماكن ذات رمزية سياسية وسياحية عالية: محيط مجلس العموم البريطاني، وساحة "بيج بن"، وشوارع تعجّ بالسياح والمارة. الهدف لم يكن مجرد تجمّع رمزي بين مصريين في الخارج، بل توجيه رسالة مباشرة للرأي العام الغربي وصناع القرار في بريطانيا: هناك نظام في القاهرة يبني شرعيته على القمع والسجون، ويجب ألا يمرّ ذلك دون مساءلة.
تضمّنت الفعاليات توزيع منشورات على المارّة، كُتبت بلغة الأرقام والوجوه، لا بلغة الشعارات فقط. فقد عرضت تقديرات رسمية وغير رسمية عن عدد المعتقلين السياسيين في مصر، الذي يُقدّر بأكثر من 100 ألف معتقل، بينهم 1344 امرأة، و151 طفلًا قاصرًا، و76 حالة اختفاء قسري لنساء. هذه الأرقام، حين تُطبع على ورقة وتُسلم لسائح أو نائب أو صحفي غربي أمام البرلمان، تتحول من مجرد إحصائيات إلى ملف اتهام أخلاقي لنظام يدّعي “الاستقرار” بينما يدير واحدة من أوسع حملات القمع في المنطقة.
ذكر المشاركون حالات رمزية مثل الدكتور رشاد البيومي، القيادي والأكاديمي المصري البالغ نحو 90 عامًا، المحتجز في الحبس الانفرادي، إلى جانب معتقلين ومعتقلات من كبار السن داخل العزل الانفرادي، بما يعكس قسوة مضاعفة: سجن بلا محاكمة عادلة، وظروف احتجاز غير إنسانية، وإهمال طبي ممنهج، وقطع لأبسط صلات الإنسان بعائلته وعالمه.
جيل زد تحت الحجب.. والاقتصاد تحت الديون: احتجاجات تربط الحرية بلقمة العيش
لم تتوقف فعاليات لندن عند ملف المعتقلين فقط، بل ربطت بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي في صورة واحدة. المشاركون تحدثوا عن جيل “زد” في مصر، الجيل الذي وُلد أو كبر بعد ثورة يناير، ويواجه اليوم قبضة أمنية تمارس رقابتها حتى على العالم الرقمي. أشار المحتجون إلى حجب منصات مثل “ديسكورد”، واعتبروا أن التضييق على تطبيقات يستخدمها الشباب للتواصل السلمي والنقاش يعكس خوف السلطة من أي مساحة حرة، حتى لو كانت مجرد غرفة إلكترونية.
في الوقت نفسه، سلّطت المنشورات والبيانات الضوء على الانهيار الاقتصادي وتفاقم الفجوة الطبقية داخل مصر. ارتفع عدد الفقراء، وفق تقديرات دولية ومحلية، بينما تتكدس الثروات في أيدي نخبة ضيقة مرتبطة بدوائر الحكم والأجهزة السيادية. تحدث المحتجون عن:
• انكماش الإنفاق على الصحة والتعليم، وتدهور الخدمات العامة.
• التوسع في المشاريع الفاخرة والمنتجعات والمدن الباذخة التي لا يراها المواطن العادي إلا في الإعلانات.
• ارتفاع الضرائب والرسوم على المواطن دون تحسن حقيقي في الدخل أو مستوى المعيشة.
• الارتهان لسياسات الاقتراض الخارجي، ما جعل القرار الاقتصادي المصري مرهونًا لمؤسسات دولية وقوى إقليمية، ينعكس نفوذها على حياة الناس اليومية، وعلى استقلال القرار الوطني.
بهذا المعنى، كانت رسائل لندن تقول بوضوح: القضية ليست “حقوق إنسان” في المعنى الضيق فقط، بل أيضًا حق الناس في لقمة العيش والعدالة الاجتماعية، وفي دولة لا تُدار كإقطاعية مغلقة بين العسكر وحلفائهم الماليين.
الغاز لإسرائيل والجيش في البيزنس: سياسات تفرّط في السيادة وتقتل السياسة
إلى جانب الشعارات الحقوقية، حملت البيانات الصادرة عن الفعاليات في لندن نقدًا مباشرًا لما وصفوه بـاختطاف الاقتصاد والسّيادة لصالح المؤسسة العسكرية وحلفائها. فقد تحدث المشاركون عن:
• توسع الجيش في الاستثمارات المدنية في مجالات من المفترض أن تدار عبر القطاع المدني والخاص والمجتمع: من الطرق والكباري والمقاولات، إلى المياه المعدنية والمنتجعات والحديد والأسمنت. هذا التوسع لا يعني فقط منافسة غير عادلة، بل يعني كذلك تغييب أي رقابة مدنية حقيقية على الاقتصاد، ما يضعف الشفافية ويعمّق الفساد.
• صفقات الغاز مع إسرائيل، التي وصفتها المنشورات بأنها تضرّ بالمصالح الوطنية المصرية، خاصة في ظل تناقضها مع المزاج الشعبي المتضامن مع فلسطين، ومع ما يُطرح رسميًا من شعارات عن “الدور الإقليمي لمصر”.
• الارتباط الوثيق بين السياسات المالية والقرارات السيادية وبين ما يريده صندوق النقد الدولي والدائنون الإقليميون، وهو ما خلق وضعًا تُتخذ فيه القرارات الكبرى – من التعويم إلى الضرائب وبيع الأصول – تحت ضغط “إملاءات” خارجية أكثر مما تُتخذ استجابةً لحوار وطني ومصلحة مجتمعية حقيقية.
ورغم الطابع الاحتجاجي القوي، حرص المنظمون على التأكيد أن الهدف ليس فقط فضح النظام، بل أيضًا طرح رؤية بديلة: استرداد الحقوق التاريخية، إصلاح الملفات الإقليمية في السودان وغزة وليبيا، وبناء اقتصاد إنتاجي يحفظ كرامة المواطن، ويعيد تعريف “النهضة الوطنية” بعيدًا عن وهم الأبراج والعواصم الفاخرة.
ختمت الفعاليات رسالتها بتأكيد أن الطريق إلى نهضة حقيقية يبدأ من احترام الإنسان: التزام بالقوانين الدولية، حماية لحقوق الإنسان، فتح لمساحات التعبير والعمل المدني، ومحاسبة حقيقية على الفساد والانتهاكات. وما جرى في لندن ليس سوى حلقة من سلسلة طويلة تنظمها الجاليات المصرية في الخارج كل عام، لتقول للداخل والخارج معًا: ثورة يناير قد تُحاصَر داخل مصر، لكنها لم تُدفن في وجدان أبنائها، ولا في شوارع العالم التي ما زالت تسمع هتافها عن بعد.

