بقيمة تُقدَّر بنحو 25 مليون جنيه، تفجّرت فضيحة اختفاء وسرقة أدوية من مستشفيات جامعة أسيوط، بينها ما يُقال إن المستشفى النفسية وحدها خسرَت أدوية بما يقارب 8 ملايين جنيه، أغلبها أدوية باهظة الثمن وحيوية للمرضى. ورغم حجم الكارثة، تتداول الصفحات والبلاغات غير الرسمية التفاصيل، بينما تلتزم إدارة الجامعة صمتًا مريبًا حتى الآن، دون بيان نفي أو تأكيد، في وقت تشير فيه مصادر صحفية إلى فتح تحقيقات رقابية في عجز ضخم بمخازن أدوية المستشفى الجامعي بقيمة ملايين الجنيهات.
هذه ليست “سرقة ليلة واحدة”، ولا يمكن اختزالها في تصرّف فردي لعامل أو ممرض؛ بل أقرب ما تكون إلى شبكة منظمة داخل المؤسسة، تفتح المخازن على مصراعيها أمام الفساد، وتترك المرضى في مواجهة الندرة وانقطاع العلاج.
ملايين الجنيهات من الأدوية تتبخر.. والجامعة تلتزم الصمت
المنشورات المتداولة على فيسبوك – ومن بينها منشور الناشط خالد داود – تتحدث عن اختفاء أدوية من مستشفيات جامعة أسيوط بقيمة تصل إلى 25 مليون جنيه، مع حديث متكرر عن أن المستشفى النفسية وحدها “طار” منها مخزون دوائي يقدَّر بنحو 8 ملايين جنيه.
صفحات أخرى محلية في أسيوط تؤكد نفس الرواية تقريبًا: سرقات متراكمة، أغلبها أدوية “جدول” عالية السعر، بدأت تُكتشف بالصدفة عندما اشتبه أفراد الأمن في حركة “تكاتك” خارجة من محيط المستشفيات محمّلة بكرتون وأكياس، لتنكشف بعدها فجوة ضخمة بين سجلات المخزن وما هو موجود فعليًا.
في المقابل، وعلى الرغم من الضجة المتصاعدة، لم تخرج جامعة أسيوط – حتى لحظة كتابة هذا التقرير – ببيان واضح ينفي أو يقرّ، يوضح الأرقام أو يشرح للرأي العام ماذا يحدث داخل أكبر منشأة طبية جامعية في الصعيد. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة ضمنية في التعتيم: حين تُسرق أدوية بملايين الجنيهات من مؤسسة عامة تخدم مئات الآلاف من الفقراء، يصبح أول واجب على إدارة الجامعة أن تخاطب الناس بشفافية، لا أن تتوارى خلف الجدران وكأن شيئًا لم يحدث.
تزامن ذلك مع تقارير صحفية محلية تتحدث عن تحقيقات رقابية “موسعة” في عجز بملايين الجنيهات في مخازن الأدوية بمستشفى أسيوط الجامعي، واستدعاء مسؤولين عن المخازن وموظفين إداريين لجرد السجلات ومطابقتها مع الموجود الفعلي. لكن حتى هذه التحقيقات – إن صحت – تتم في الظل، بعيدًا عن أي شفافية، وكأن المال المنهوب ليس مالًا عامًا، وكأن العلاج المنهوب ليس حقًا لمرضى لا يملكون بدائل.
هذه ليست سرقة ممرض.. بل منظومة كاملة متورطة من المخزن حتى الأمن
منطق الأرقام وحده يكفي لفضح الرواية السهلة عن “عامل غلبان سرق شوية أدوية”: لا يمكن أن تختفي أدوية بقيمة 25 مليون جنيه من مخازن مستشفيات جامعة أسيوط بين يوم وليلة، أو عبر عملية فردية عابرة. نحن أمام مخزون استراتيجي يدخل عبر مناقصات وتوريدات، يُسجَّل في دفاتر، يُصرف على أوراق، يمر على لجان استلام، ورقابة مالية وإدارية، وأمن مخازن، ثم أمن مستشفيات، وصولًا للمخارج والبوابات.
حين يختفي هذا الكم من الأدوية، فهناك احتمالان لا ثالث لهما:
إما تواطؤ من الداخل يمتد من موظفين وكتبة إلى أمن ومخازن وربما مسؤولين أكبر،
أو إهمال جسيم يصل إلى حد الجريمة، يجعل المخازن مفتوحة أمام التلاعب بلا حسيب ولا رقيب.
المفارقة الفجة أن الجامعة – كما يشير ناشطون وأطباء – كانت في السابق “تقيم الدنيا ولا تقعدها” إذا ضُبط ممرض أو عامل سرق أدوية بقيمة بضعة آلاف من الجنيهات؛ تحقيق فوري، إحالة للنيابة، فصل تأديبي، وتشويه علني للمتهم في وسائل الإعلام. واليوم، أمام أرقام بالملايين، لا نرى نفس الحماسة، ولا نفس الشفافية، ولا نفس الإصرار على كشف الفاعلين، وكأن العدالة في هذه البلاد تشتد على الضعفاء وتتلطف مع الكبار.
المنشورات المتداولة تذهب أبعد من ذلك، فتلمّح إلى أن بعض من سبق اتهامهم أو الاشتباه في تورطهم في قضايا مشابهة بـ“مستشفيات جامعية أخرى” لم يُعاقبوا، بل تمت “مكافأتهم” بترقيات في مناصب قيادية داخل كليات الطب. إذا صحّ هذا النمط، فنحن لا نتحدث عن واقعة منفصلة في أسيوط، بل عن سياسة متكررة: من يسرق قليلًا يُضحّى به، ومن يسرق كثيرًا يُحمى ويصعد.
المريض هو الضحية الأولى.. وغياب المحاسبة دعوة مفتوحة لسرقات جديدة
النتيجة المباشرة لاختفاء أدوية بهذا الحجم ليست رقمًا في دفاتر “العجز المالي”، بل نقص حقيقي في العلاج المتاح لمريض فقير يأتي إلى المستشفيات الجامعية لأنه لا يملك ثمن دوائه في الصيدليات الخاصة. أدوية نفسية عالية السعر، وعلاجات للأمراض المزمنة، وربما أدوية منقذة للحياة، تحولت من حق للمريض إلى غنيمة لعصابة داخلية تعيد بيعها في السوق أو تخزنها لمصلحة تجار وأطراف أخرى.
كل جنيه من الـ25 مليونًا المسروقة هو في الحقيقة طلقة جديدة تُطلق على الفقراء:
مريض لن يجد دواءه، فيُطلب منه شراؤه من الخارج؛
أسرة ستبيع ما تملك لتوفر علاجًا كان مفروضًا أن يكون مجانيًا أو مدعومًا؛
وطبيب سيجد نفسه في مواجهة مريض لا يملك إلا أن يقول له: “الدواء مش موجود في المخزن”.
في مواجهة كل هذا، يظل السؤال قائمًا:
هل سنرى تحقيقًا حقيقيًا واسعًا يعلن للرأي العام حجم العجز، ومسؤولية كل شخص من أصغر موظف مخزن لأعلى مسؤول إداري؟
هل ستخرج جامعة أسيوط ببيان واضح تُقرّ فيه بما جرى، وتتعهد بمحاسبة المتورطين، أم ستكتفي بسياسة الدفن والتلفيق حتى تهدأ العاصفة؟
ما يحدث اليوم في مخازن أدوية مستشفيات جامعة أسيوط ليس “واقعة عابرة”، بل اختبار صريح لمدى جدية الدولة ومؤسساتها في مواجهة الفساد الذي يقتل المرضى قبل أن يسرق أموالهم. فإذا مرّت سرقة بملايين الجنيهات دون مكاشفة ومحاسبة، فهذه ليست مجرد جريمة مكتملة الأركان… بل رسالة خطيرة لكل الفاسدين تقول لهم: افعلوا ما شئتم، فالمريض وحده من سيدفع الثمن.

