أشعل قرار جهاز تنظيم الاتصالات فرض ضريبة وجمارك مضاعفة على الهواتف المحمولة الواردة من الخارج – بواقع 38% على أي هاتف يدخل مصر بعد 90 يومًا من تشغيله – موجة غضب شعبية غير مسبوقة، مقارنة حتى بقرارات أخطر مثل الاقتراض الدولي أو بيع أصول الدولة. للمرة الأولى منذ سنوات، بدا واضحًا أن الشارع يتحرك غريزيًا عندما يُمسّ شيء مباشر من حياته اليومية: هاتفه، خطه، واتصاله بالعالم.
لكن هذه المرة لم يُنظر إلى القرار كإجراء اقتصادي عابر، بل كـ «إتاوة منظمة» تصب – بحسب الغاضبين – في جيوب شبكة ضيقة مرتبطة بالسلطة، يتصدرها رجل الأعمال صافي وهبة الذي يقدمه معارضون وناشطون على أنه «صهر السيسي» ومستفيد مباشر من تشديد القيود على الهواتف المستوردة لصالح الشركات التي يملك توكيلاتها.
من ضريبة على الهاتف إلى رمز لـ«إتاوة الدولة»
القرار الجديد يعني عمليًا إنهاء فترة الاستثناء الجمركي للمصريين بالخارج، وفرض ضريبة تقترب – في بعض الحالات – من نصف سعر الهاتف نفسه، بحجة تنظيم السوق وتشجيع الصناعة المحلية. لكن رواد منصات التواصل (باستثناء اللجان والمنتفعين كما يصفهم المعارضون) رأوا في ذلك جباية سافرة لا علاقة لها بالتنمية أو الصناعة.
المستخدم إبراهيم @HimaCris قدّم مثالًا فاضحًا: هاتف آيفون 17 يباع في بلده الأصلي بـ 1200 دولار، بينما يُفرض عليه في مصر ما يقرب من 600 دولار إضافية فقط لتشغيل خط الاتصالات، أي حوالي 50% من ثمنه الأصلي، معلقًا بسخرية مرة أن «أبل نفسها مبتكسبش الرقم ده» وأن من سيشتري موبايلًا من الخارج سيضطر لحلول التفافية مثل تشغيله عن طريق هاتف رخيص بـ«الهوت سبوت» لتجنب دفع هذه الإتاوة المتجددة كل سنتين أو ثلاث.
بدوره، وضع أحمد @ahgypt سيناريو واقعي لمصري يعمل في الخارج يعود في إجازة شهر، فيشتري موبايلًا رخيصًا بأقل من 100 دولار فقط ليستعمله داخل مصر لمدة 90 يومًا، ثم يتخلص منه ويشتري آخر، معتبرًا أن هذا أهون من دفع الضرائب والرسوم «للفِردة لقطاع الطرق دول عشان يصرفوها على الكيف».
في ناس راجعة من برة تقضي إجازة شهر هتجيب معاها موبايل رخيص (أقل من ١٠٠ دولار، وآه دة شئ موجود) يستخدمه لمدة ٣ سنين (٩٠ يوم جوة البلد) مخصوص لمصر لحد ما يقفل وبعدين يجيب واحد تاني وكدة وهيطلع أرخص من دفع الضرائب والرسوم والإتاوات والفِردة لقطاع الطرق دول عشان يصرفوها على الكيف
— أحمد (@ahgypt) January 20, 2026
هكذا تحوّل الهاتف من أداة تواصل أساسية إلى رمز لابتزاز الدولة لمواطنيها، وإلى مرآة تكشف حجم الغضب المتراكم من سياسات ترى في المواطن «بقرة حلوب» لا شريكًا في الوطن.
صافي وهبة في قلب العاصفة: «قرار تفصيل» لصالح صهر العائلة؟
لم يتوقف الغضب عند حدود رفض الضريبة، بل اتخذ سريعًا مسارًا سياسيًا شخصيًا باتجاه صافي وهبة، الذي تشير حسابات معارضة إلى أنه يمتلك توكيلات حصرية لعدد من كبريات شركات المحمول العالمية مثل آيفون، وشاومي، وريد مي، وسامسونج، ما يعني أنه المستفيد الأول من خنق دخول الهواتف من الخارج وإجبار الناس على الشراء من السوق المحلي بأسعار أعلى.
المجلس الثوري المصري @ERC_egy وصف القرار صراحة بأنه «سبوبة» لصالح صافي وهبة، وسخر من الخطاب الرسمي عن «نجاح الصناعة المحلية» بالقول إن أحدًا لم ير هذه المنافسة المزعومة، وإن التطبيق الفوري بعد يوم واحد يكشف أن «مصر #عزبة_العسكر بلا مبالغة».
تحت شعار "معاً لتحسين إيرادات الصافي جروب"، أبو نسب صهر #السيسي، قامت الحكومة التي ليس لها كلمة. بإلغاء مفاجئ لقرار إعفاء موبايل واحد لكل مواطن كل ٣ سنوات وهتدفع يعني هتدفع. يقولون أن سبب هذا القرار المفاجئ هو نجاح الصناعة المحلية بأسعار تنافسية (حاجة محدش شافها نهائي) والتطبيق… pic.twitter.com/161FrMv6oI
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) January 20, 2026
حساب «مصري مصري مصري» ذهب أبعد، معتبرًا أن صافي وهبة نموذج فاضح لـ«القانون المفصَّل على المقاس»، موضحًا – بحسب روايته – أن وهبة مرتبط عائليًا بالسيسي عبر زواج ابنه من ابنة شقيقه القاضي أحمد السيسي، وأن ما يجري هو ببساطة تصميم قانون جمركي خاص لزيادة مبيعات شركات التليفونات التي يملكها الرجل.
هذا الربط بين قرار اقتصادي مفاجئ وبين شخص بعينه من دوائر السلطة يُظهر أن ثقة الناس في نوايا الدولة قد انهارت تقريبًا؛ فلم يعد أحد يصدق أن الهدف تنظيم السوق أو حماية الصناعة، بل يُقرأ كل قرار تحت عنوان واحد: من المستفيد من هذه «السبوبة» الآن؟
صناعتكم «الوطنية» أغلى من المستورد.. فمن تخدعون؟
حجة «تشجيع الصناعة المحلية» التي تُرفع لتبرير الجمارك سقطت هي الأخرى أمام الواقع. المستخدم @shaaban77 قدّم مثالًا صارخًا: هاتف سامسونج S25 Ultra بسعة 512 جيجا، مجمّع في مصر، لكن الفارق بين سعره في السعودية وسعره في السوق المصري يصل إلى 20 ألف جنيه لصالح السعودية، رغم أن الجهاز ذاته مُفترض أنه «منتَج محلي».
موبيل سامسونج المجمع فى مصر اس 25 الترا مساحة 512 الفرق بين سعر مصر والسعودية 20 الف جنيه .. طبعا فى مصر اغلي لنفس الموبيل المجمع فى مصر !!!!
— M.Shaaban (@shaaban77) January 20, 2026
و يقولك بنعمل جمارك لتشجيع الصناعة المصرية pic.twitter.com/4iCk9abzzR
هنا تتعرى الرواية الرسمية بالكامل؛ فإذا كانت الصناعة المحلية أغلى من نفس المنتج في دولة أخرى، وإذا كانت الجودة أقل وخدمات ما بعد البيع أضعف، فما معنى أن تفرض الدولة جمارك قاسية على الأجهزة القادمة من الخارج؟ في نظر كثيرين، لا معنى إلا واحدًا: إغلاق السوق لصالح كبار الموزعين المرتبطين بالسلطة، وخنق أي منافسة حقيقية باسم حماية الإنتاج الوطني.
هكذا يتحول شعار «صنع في مصر» من عنوان يفترض أن يبعث على الفخر، إلى لافتة تُستخدم كستار لتمرير جبايات احتكارية، يدفع ثمنها المواطن البسيط، بينما يُترَك كبار الوكلاء يضبطون الأسعار كما يشاؤون في سوق محتكر ومغلَق.
المصريون بالخارج.. يدفعون تريليونًا و«يُحرمون من تليفونهم»
الغضب كان أشد بين المصريين العاملين بالخارج؛ هؤلاء الذين حوّلوا – كما يشير الناشط هيثم الصدفاوي – ما يقارب 1.74 تريليون جنيه العام الماضي، أي ما يكفي لدفع مرتبات 15 مليون شاب بواقع 10 آلاف جنيه شهريًا لمدة عام كامل، ليكتشفوا أن الدولة تستكثر عليهم إدخال «تليفونهم الشخصي» دون جمارك.
الناشط صوّر بسخرية مفارقة بين ما تقدمه شركات الاتصالات العالمية من خدمات غير محدودة بحوالي 40 دولارًا شهريًا مع حماية وتأمين للهاتف، وبين نظام مصري قادر على تحويل هاتف ذكي إلى «حتة حديد» بعد 90 يومًا إذا لم تُدفع الإتاوة. وفي منشور آخر، فضح التضارب بين تصريحات رئيس جهاز تنظيم الاتصالات، الذي يقول إن الهاتف يتوقف بعد 90 يومًا ولا يعمل إلا إذا سافر صاحبه مجددًا للخارج، وبين رئيس مصلحة الجمارك الذي يزعم أنه يكفي الاتصال بخدمة العملاء لإعادة تشغيله، معتبرًا هذه الفوضى دليلاً على ارتباك حكومي صارخ.
حسام الديب انتقد من جانبه عنصر المفاجأة؛ فهناك من اشترى هواتف قبل يوم واحد من عودته إلى مصر اعتمادًا على القاعدة القديمة (جهاز كل ثلاث سنوات)، ليُصدم بإلغاء الإعفاء فجأة، دون فترة انتقالية أو إنذار مسبق، في سلوك يعكس استخفافًا كاملًا بالتخطيط وبحقوق المستهلك.
أما داليا الشيخ، فسلّطت الضوء على معاناة من يشترون هواتفهم بالتقسيط في الخارج، ثم يُطلب منهم دفع جمارك جديدة عند العودة، حتى لو كان الهاتف قديمًا ومستعملًا منذ خمس سنوات، متسائلة بمرارة: كيف يُطلب من مصري مطرود من عمله أو منتهية إقامته أن يدفع جمارك على هاتف هو وسيلته الوحيدة للبقاء على اتصال بالعالم؟
في النهاية، لم يعد قرار جمارك الموبايلات مجرد ملف تقني يتعلق بالاتصالات، بل تحوّل إلى محاكمة علنية لنموذج كامل من الحكم يقوم على الجباية والاحتكار و«تفصيل القوانين» لصالح دائرة ضيقة من رجال الأعمال المرتبطين بالعائلة الحاكمة، وفي مقدمتهم – كما يراه الغاضبون – صافي وهبة.
الغضب هذه المرة لم يكن معارضًا نخبويًا ولا هتافًا سياسيًا عامًا؛ بل جاء من قلب الحياة اليومية: من جيب المواطن، من شاشة هاتفه، من شعوره بأن الدولة تتعامل معه كغنيمة لا كإنسان.
وحين يصل الغضب إلى هذه الدرجة من الوضوح، يصبح السؤال الحقيقي: هل يجرؤ النظام على التراجع، أم يمضي في طريق الإتاوة حتى آخر نفس، ولو كان الثمن ما تبقّى من صبر الناس وثقتهم؟

