في موقع تلال السخنة بالسويس، لا يبدو المشهد مجرد “خلاف إداري” على أوراق تعاقد، بل معركة كسر إرادة: عاملان بخدمة 16 و9 سنوات يواجهان إنهاء تعاقد قسريًا وضغوطًا للتوقيع على فسخٍ وإجازةٍ إجبارية، ثم “إخلاء طرف” مُعدّ سلفًا يقرّ بأنهما حصلا على كامل مستحقاتهما—بينما يرفضان التوقيع ويؤكدان أن عقودهما الجديدة تمتد حتى 2027.

 

هذه التفاصيل ليست رواية عابرة؛ بل وقائع منشورة عن شكاوى رسمية لثمانية عمال بمكتب عمل مدينة نصر ضد إدارة «رؤية» التابعة لمجموعة «بايونيرز»، تتهمها بالضغط لإجبارهم على الاستقالة وتعويض هزيل يعادل ربع شهر عن كل سنة عمل، مع إعادة تدويرهم بعقود محددة المدة عبر شركة وسيطة.


 

من عقدٍ لعام… إلى محاولة فسخٍ في أسبوع: “التوقيع أو الخروج”

 

بحسب ما نقلته «المنصة»، أحد العاملين وقّع قبل شهرين عقدًا جديدًا لمدة عام، ثم استدعاه موظف الموارد البشرية بعد أسبوعين تقريبًا ليوقّع “فسخ العقد”، وعندما رفض طُلب منه إجازة حتى 31 يناير موعد انتهاء عقده القديم، ثم قُدّم له “إخلاء طرف” مُثبت فيه أنه تقاضى كل مستحقاته، ورفض التوقيع. المشهد نفسه تكرر مع زميله الذي طُلب منه التحول من عقد سنة إلى 6 أشهر.

 

الخبير الحقوقي والمحامي العمالي خالد علي يصف فلسفة تحويل علاقة العمل إلى لعبة أوراق بأنها “ردة” تميل ضد الطرف الأضعف، محذرًا من تسهيل الفصل التعسفي وإضعاف الضمانات التي وُجدت أساسًا لحماية العامل باعتباره مسؤولًا عن “أسرة لا عن نفسه فقط”.

 

وبلغة أبسط: حين يصبح العامل مُهددًا كل بضعة أشهر بعقدٍ أقصر أو توقيع “فسخ” أو “إخلاء طرف”، فالحديث عن استقرار وإنتاجية يتحول إلى نكتة سوداء.

 

شركة وسيطة وعقود محددة المدة: تفريغ الحق من مضمونه

 

تقول الشكاوى إن الإدارة تعرض على العمال: استقالة “بالتراضي” وتعويض ربع شهر/سنة، ثم عقود محددة المدة تُحرر عبر شركة بارتنر برو للتجارة والخدمات.
هذا النمط—وفق خبرات سوق العمل—ليس مجرد “تنظيم إداري”، بل أقرب إلى هندسة لتصفير الحقوق: تحويل العامل القديم إلى “وافد جديد” بعقد مؤقت يقطع تراكم السنوات، ويضعه تحت سيف عدم التجديد.

 

المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية كمال عباس يشرح خطورة سيادة العقد محدد المدة: حين يمتلك صاحب العمل حرية تجديد العقد أو إنهائه، يصبح الفصل التعسفي غير لازم أصلًا، ويظهر بديله الأكثر شيوعًا: إجبار العامل على الاستقالة مقدمًا أو إخضاعه لضغوط توقعه على تنازلات.

 

حتى في الصياغات التعريفية الرسمية لقواعد الاستقالة، يجري التأكيد أنها إنهاء بإرادة العامل المنفردة وبشروط كتابية وإجرائية—ما يجعل “الاستقالة بالإكراه” تناقضًا فاضحًا في المعنى قبل القانون.

 

رواتب مجمّدة وبدلات مفقودة: من يدفع ثمن “الانحيازات”؟

 

العمال يقولون إن رواتب من تبقى لا تتجاوز 8 آلاف جنيه رغم تجاوز مدد خدمتهم 20 عامًا، وإنهم ينفقون نحو ثلثها على الطعام أثناء الإقامة بمواقع العمل، مع توقف الزيادات منذ 2019. كما سبق أن نظموا وقفة احتجاجية في سبتمبر 2024 للمطالبة بالزيادات المتأخرة والأرباح السنوية المتوقفة وإعادة التأمين الصحي الذي أُلغي.

 

هنا لا يمكن فصل “ورق العقود” عن “واقع الجيب”: حين يُجمَّد الأجر، وتُسحب البدلات، ويُلوَّح بتعويضات هزيلة مقابل سنوات عمر—تتحول الإدارة من صاحب عمل إلى آلة عصر تدفع الناس لقبول أي شيء خوفًا من لا شيء.

 

السكرتير التنفيذي للاتحاد العربي للنقابات الدكتورة هند بن عمار تلخص هذا المناخ بحدة: “نحن أمام عمال يُحرمون من أبسط مقومات العيش الكريم والكرامة الإنسانية”، وترى أن التوسع في العقود محددة المدة وغياب الأمان الوظيفي “تهديد مباشر لاستقرار حياة العمال”، مؤكدة أنه لا يمكن اعتبار أي قانون أو ممارسة “منصفة” إذا لم تحمِ العامل من الفصل التعسفي ولم تضبط علاقات العمل بعدالة.

 

خاتمة

 

القصة في «رؤية للمقاولات» ليست حادثًا فرديًا، بل نموذجًا مكثفًا لاقتصادٍ يريد مشروعات بمئات الملايين، لكن بأيدٍ عاملة تُعامل كـ“بنود قابلة للمسح”.

وقد أعلنت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أنها أصبحت الممثل القانوني للعمال الثمانية الشاكين، مطالبة بوقف إجراءات الفصل أو فسخ العقود المخالفة، وإلغاء أي إخطار بإنهاء الخدمة، وصرف المستحقات والبدلات والزيادات وفق مبدأ التدرج في الأجور.

 

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الشركات الكبرى قادرة على تغيير عقود الناس كما تُغيّر جداول العمل، فمن يحمي العامل من أن يصبح مجرد توقيعٍ مُعلّق على “إخلاء طرف” لا يعترف به؟