رغم اعتراف كبار منتجى الدواجن بوجود وفرة فى المعروض، وأن الإنتاج الحالى تجاوز احتياجات السوق، تقفز أسعار الفراخ للمستهلك إلى ما بين 80 و93 جنيها للكيلو، فيما تلامس منتجاتها الجاهزة – البانيه والشيش – حاجز الـ200 جنيه، وكأننا أمام سلعة نادرة لا تُنتَج محليًا بل تُهرَّب عبر الحدود!
فى المقابل، تكتفى حكومة الانقلاب بدور المتفرج، تاركة السوق لحفنة من السماسرة والحلقات الوسيطة تعبث بالأسعار، بينما تنتقل حالة القلق والخوف من موائد المصريين قبل رمضان إلى جيوب ملايين المربين والتجار الذين لا يربحون من هذه الفوضى إلا الخسائر.
التصريحات الرسمية عن «وفرة الإنتاج» و«لا أزمة فى الفراخ» تصطدم بما يراه المواطن على الميزان، وما يرصده مربون وتجار دواجن من اختلال فاضح بين سعر المزرعة وسعر المحل، وغياب أى تدخل حقيقي يوقف جشع حلقات الوساطة التى تحوِّل فرخة تُباع من المزرعة بـ70 جنيهًا إلى «فرخة رمضان» تقترب من 100 جنيه وأكثر.
وفرة إنتاج وأسعار تقترب من 100 جنيه: أين تضيع الفراخ بين المزرعة والمحل؟
بحسب تصريحات رئيس اتحاد منتجى الدواجن المهندس محمود العناني، يتراوح سعر كيلو الدواجن البيضاء فى المزرعة حاليًا حول 68–70 جنيهًا، بعد تراجع طفيف عن ذروة الأيام السابقة، مع تأكيده أن القطاع شهد فى العامين الأخيرين زيادة فى الإنتاج تجاوزت 18–25% ما بين الدواجن وبيض المائدة، وأن المعروض يكفى احتياجات السوق بل ويفوقها.
ورغم هذه الأرقام، يقف المستهلك أمام تاجر التجزئة ليصطدم بسعر يقترب من 100 جنيه للكيلو فى بعض المناطق، وبانيه يتراوح بين 190 و220 جنيهًا، فى حين يرى «العناني» أن السعر العادل للمستهلك – مع حساب تكلفة النقل والذبح وهوامش ربح منطقية – لا يجب أن يتجاوز 80 جنيهًا للكيلو. أى أن هناك 15–20 جنيهًا إضافية فوق السعر المنطقى تذهب إلى حلقات وسيطة وسماسرة لا علاقة لهم لا بتربية الطائر ولا بتحمل مخاطر الدورة الإنتاجية.
هذا ما يؤكده أيضًا الدكتور عبدالعزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بالغرف التجارية، الذى يشير فى تصريحات متلفزة وصحفية متكررة إلى أن السعر فى المزرعة لا يبرر القفزات فى سعر المستهلك، وأن الخلل الحقيقى يكمن فى الحلقات الوسيطة التى تلتهم فارقًا كبيرًا بلا رقابة حقيقية، مطالبًا بضبط سلسلة التداول من المزرعة حتى المحل، بدل الاكتفاء بالحديث عن «الأسعار العالمية» و«تكلفة الأعلاف».
وفى الوقت الذى يتحدث فيه مسؤولو الانقلاب عن «اقتصاد حر» ورفض «التسعير الجبري»، يتجاهلون أن حرية السوق لا تعنى ترك المواطن فريسة للاحتكار والتلاعب، ولا تعنى أن تتحول سلعة أساسية كالدواجن إلى ملعب مفتوح لمضاربات ما قبل رمضان، بينما لا يجد المستهلك سوى تحذيرات جوفاء من «تخزين الفراخ» وكأن المشكلة فى المواطن لا فى من يرفع السعر عليه.
مربو الدواجن: السوق مختطف من السماسرة.. والمستهلك لا يتحمل المزيد
على الجانب الآخر من السلسلة، يقف مربو الدواجن بين مطرقة تكاليف إنتاج تقفز مع أى زيادة فى أسعار الأعلاف والطاقة، وسندان سوق لا يرحم عند الهبوط، ولا يرحم المستهلك عند الصعود.
المهندس ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجى الدواجن، يذكّر بأن القطاع شهد فى 2024 و2025 قفزة إنتاجية كبيرة – تجاوزت 25% – أدت فى فترات إلى تراجع أسعار الدواجن والبيض بنسبة وصلت إلى 35%، وهو ما يعنى أن القدرة الإنتاجية موجودة بالفعل، وأن أى قفزات حالية ليست ناتجة عن نقص فى المعروض بل عن خلل فى إدارة السوق وتوزيع الهامش الربحى بين المنتج والتاجر والمستهلك.
المربى والتاجر صابر الشكلي يقدم صورة أكثر قسوة من أرض الواقع؛ إذ سبق أن أوضح فى تصريحات صحفية أن أى موجة غلاء مبالغ فيها تؤدى فورًا إلى ركود فى الطلب، لدرجة أن القفص الواحد – وبداخله 20 طائرًا – يبقى فى المحل 4 أيام كاملة، بعد أن كانت حركة البيع الطبيعية من 5 إلى 10 أقفاص فى اليوم. النتيجة المباشرة: المستهلك يعجز عن الشراء، والتاجر والمربى لا يبيعان، بينما تظل الأسعار مرتفعة بفعل «تسعير إعلامى» وتواطؤ فى الحلقات الوسيطة.
هذه الشهادة تتكرر بصيغ مختلفة من مربين كثيرين خسروا دورات كاملة عندما انهارت الأسعار إلى ما دون التكلفة فى فترات سابقة، كما يؤكد «العناني» نفسه، ثم يجدون أنفسهم اليوم متهمين أمام الرأى العام بأنهم سبب الغلاء، بينما الحقيقة أن المربى يبيع بسعر معلن فى المزرعة، وما يحدث بعد خروجه من البوابة هو منطقة ظل لا ترى فيها يد الدولة إلا على الورق.
تجار التجزئة: المواطن يدفع ثمن فوضى الأعلاف وانقطاع الكهرباء وغياب الرقابة
تجار التجزئة فى النهاية هم من يواجهون غضب الشارع مباشرة. التاجر محمد فتحي قال فى تصريحات سابقة إن انخفاض أسعار الأعلاف وفرة المعروض سمحا له ببيع الكيلو للمستهلك عند 57 جنيهًا فى 2023، مؤكدًا أن تكلفة العلف هى العامل الحاسم فى السعر، وأن أى انفراجة فى مدخلات الإنتاج تنعكس فورًا على قدرة التاجر على تخفيض السعر. هذه التجربة تكشف ببساطة أن ضبط مدخلات الإنتاج وسيطرة الدولة على سوق الأعلاف كان يمكن أن يمنعا كثيرًا من موجات الغلاء الحالية.
فى المقابل، يروى التاجر محمد حسن معاناة عكسية؛ إذ أوضح فى تصريحات صحفية أن انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الأعلاف تسببا فى نفوق كميات كبيرة من الدواجن، ما دفع أسعار الفراخ البيضاء والبانيه إلى القفز، وأدخله ومعه مربين آخرين فى خسائر ضخمة، مؤكدًا أن «لا تحرك حقيقيًا من المسؤولين» لمعالجة جذور الأزمة، وأن القرارات المتأخرة تُترك للسوق ليتحملها وحده.
بين هاتين الشهادتين يتحرك المواطن فى مساحة ضيقة: عندما تنخفض التكاليف يمكن نظريًا أن يرى أسعارًا أقرب إلى 60–70 جنيهًا للكيلو، وعندما ترتفع الأعلاف أو تنقطع الكهرباء تقفز الأسعار، لكن السؤال: لماذا تظل الفراخ اليوم على أعتاب 100 جنيه رغم اعتراف المنتجين بوفرة المعروض؟ الإجابة الأوضح يقدمها خبراء وتجار:
- سوق أعلاف غير منضبط، مرتبط بالدولار والاستيراد، بلا رؤية حقيقية للاكتفاء أو لتأمين مخزون استراتيجى.
- حلقات وسيطة تفرض هوامش ربح كبيرة بلا سقف ولا رقابة فعالة، كما يحذر عبدالعزيز السيد.
- حكومة انقلاب تكتفى بالشعارات عن «الاقتصاد الحر»، وترفض استخدام أدواتها القانونية لضبط الاحتكار والغش والتلاعب فى سلعة تمس أمنًا غذائيًا لملايين المصريين.
بين مزرعة تبيع فرخة بـ70 جنيهًا، ومحلات تقدّمها للمواطن على أعتاب 100 جنيه، يقف سؤال واحد بلا إجابة من نظام السيسي: من الذى يبتلع هذا الفارق الفاحش؟ ولماذا يُترك المصري يدخل رمضان وهو خائف من فرخة كان يُفترض أن تكون البروتين «الأرخص» على مائدته؟

