سلّط تقرير حقوقي حديث، أصدره مركز «مسار» المعني بالحقوق الرقمية والحريات المرتبطة بها، الضوء على حكم قضائي بالغ الأهمية صادر عن محكمة النقض عام 2022، اعتبره المركز محطة فاصلة في ملف حجب المواقع الإلكترونية، لما يحمله من دلالات قانونية واضحة بشأن تضييق نطاق الحجب، وحصره في أطر محددة تخضع للرقابة القضائية الصارمة، بعيدًا عن أي توسع إداري أو أمني غير منصوص عليه في القانون.

 

ودعا المركز، في تقريره، الحكومة والجهات التنفيذية إلى الالتزام بممارسة الصلاحيات المتعلقة بحجب المواقع في أضيق الحدود الممكنة، مع ضرورة توفير آليات شفافة وفعّالة للطعن والمراجعة، بما يضمن حماية حرية التعبير وتداول المعلومات، باعتبارهما من الحقوق الدستورية الأصيلة التي لا يجوز المساس بها إلا وفق ضوابط قانونية دقيقة.

 

خلفية الحكم ودلالاته القانونية

 

ويستند تقرير «مسار» إلى حكم محكمة النقض الصادر في طعن تقدّمت به وزارة الداخلية على حكم سابق صادر عن المحكمة الاقتصادية بطنطا، كان قد ألزم الوزارة بحجب موقعين إلكترونيين ينتحلان اسم شركة وعلامتها التجارية.

وخلال نظر الطعن، دفعت وزارة الداخلية بانتفاء صفتها القانونية في تنفيذ قرارات الحجب، مؤكدة أن هذا الاختصاص ينعقد أصلاً للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وفقًا للقانون المنظم لعمله.

 

وأيّدت محكمة النقض هذا الدفع، مؤكدة بشكل قاطع أن وزير الداخلية لا يختص، بصفته، بتنفيذ قرارات حجب المواقع الإلكترونية، وأن الجهة المختصة بذلك هي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بالتنسيق مع شركات تقديم خدمات الإنترنت، ووفق إجراءات محددة نص عليها القانون.

 

قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تحت المجهر

 

وأوضحت المحكمة، برئاسة المستشار نبيل صادق – النائب العام الأسبق – أن المادة السابعة من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رسمت إطارًا قانونيًا واضحًا لحجب المواقع، حيث اشترطت وجود تحقيق قضائي، وصدور أمر قضائي مسبب، قبل الشروع في تنفيذ أي قرار بالحجب.

 

وشددت المحكمة على أن القانون لم يمنح أجهزة وزارة الداخلية أو أي جهة إدارية سلطة مستقلة أو مطلقة لحجب المواقع دون إشراف قضائي، باستثناء حالات طارئة ومحدودة للغاية، وبصورة مؤقتة، إلى حين عرض الأمر على جهة التحقيق المختصة واستصدار قرار قضائي نهائي.

 

وأكد الحكم أن أي تفسير موسّع لنصوص القانون، بما يسمح بفرض الحجب خارج هذه الحدود، يُعد مخالفة صريحة للإطار التشريعي، ويشكّل مساسًا غير مبرر بالحقوق والحريات العامة.

 

تحديد دور وزارة الداخلية

 

وفي هذا السياق، فرّق الحكم بوضوح بين الدور الأمني ودور التنفيذ الفني، حيث أوضح أن دور وزارة الداخلية يقتصر على ما تقوم به أجهزتها، مثل «مباحث الإنترنت»، في جمع الاستدلالات، وضبط الجرائم ومرتكبيها، باعتبارهم مأموري ضبط قضائي يعملون تحت إشراف النيابة العامة.

 

وأكدت المحكمة أن هذا الدور لا يمتد بأي حال من الأحوال إلى مخاطبة شركات الإنترنت أو إصدار أو تنفيذ قرارات قطع الخدمة أو حجب المواقع بشكل مباشر، وهو ما اعتبره مركز «مسار» تصحيحًا قانونيًا لمسار شابه الخلط والتوسع خلال السنوات الماضية.

 

مساس مباشر بحرية التعبير

 

واعتبر مركز «مسار» أن الحكم يمثل «محطة مهمة» في مسار النقاش القانوني حول حجب المواقع، نظرًا لما يترتب على هذه الممارسة من مساس مباشر بحرية التعبير وتداول المعلومات، وهما حقان كفلهما الدستور المصري، ولا يجوز تقييدهما إلا استثناءً، ووفقًا لضوابط دقيقة ومبررات واضحة.

 

وأشار التقرير إلى أن أهمية الحكم تكمن في كونه أغلق الباب أمام محاولات إضفاء صلاحيات غير منصوص عليها صراحة في القانون، سواء لجهات تنفيذية أو إدارية، مؤكدًا أن حماية الأمن أو المصلحة العامة لا يمكن أن تكون مبررًا لتجاوز النصوص القانونية أو الالتفاف على الرقابة القضائية.

 

دعوة لمراجعة تشريعية شاملة

 

وحمل المركز الحقوقي مجلس النواب مسؤولية مراجعة الأطر القانونية المنظمة لمسألة حجب المواقع، بهدف تحقيق قدر أكبر من الوضوح والتماسك التشريعي، وضمان عدم إساءة استخدام الصلاحيات الاستثنائية، أو توظيفها في غير ما خُصصت له.

 

وأكد التقرير أن الحكم القضائي يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لتطوير فهم قضائي وتشريعي أكثر اتساقًا مع المعايير الدستورية والدولية لحماية الحقوق الرقمية، وبما يعكس موقفًا أكثر تحفظًا إزاء اللجوء إلى الحجب كأداة إدارية أو أمنية.

 

الحجب في مصر.. أرقام ومؤشرات

 

وتناول التقرير السياق العام لسياسات الحجب في مصر، مشيرًا إلى أن السلطات بدأت استخدام هذه الأداة بشكل موسّع منذ مايو 2017، لاستهداف مواقع إخبارية مستقلة ومنظمات حقوقية وأصوات معارضة.

 

ووفقًا لإحصائيات مستقلة، تجاوز عدد المواقع المحجوبة في مصر 600 موقع، من بينها أكثر من 100 موقع صحفي وإخباري، ما أثار انتقادات محلية ودولية بشأن حرية الصحافة وتداول المعلومات.

 

وفي هذا الإطار، أشار التقرير السنوي لنقابة الصحفيين، الصادر في مارس الماضي، إلى استمرار حجب عدد من المواقع الصحفية، وعلى رأسها موقع «نافذة مصر»، رغم رفع الحجب عن مواقع أخرى، مثل «درب»، و«السلطة الرابعة»، و«ذات مصر»، و«مصر 360».

 

واختتم مركز «مسار» تقريره بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية لحكم محكمة النقض لا تكمن فقط في وقائعه القانونية، بل في كونه يفتح مساحة أوسع لمراجعة السياسات والممارسات المتعلقة بإدارة الفضاء الرقمي في مصر.

 

وشدد على أن تحقيق التوازن بين حماية الأمن والمصلحة العامة من جهة، وصون الحقوق والحريات الأساسية من جهة أخرى، لا يمكن أن يتم إلا في إطار قانوني واضح، يخضع لرقابة قضائية مستمرة، ويضمن حق المواطنين في المعرفة والتعبير دون قيود تعسفية أو غير مبررة.