مع اقتراب الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، تتجدد المخاوف الحقوقية بشأن أوضاع الحريات العامة ومساحة العمل السياسي، في ظل ما تصفه منظمات حقوقية وناشطون بتصاعد وتيرة الملاحقات الأمنية بحق أصوات محسوبة على الثورة أو متضامنة مع سجناء الرأي. وفي هذا السياق، ألقت قوات الأمن فجر اليوم الثلاثاء القبض على الناشط السياسي والشاعر أحمد دومة من منزله في القاهرة، في واقعة أثارت ردود فعل واسعة داخل الأوساط الحقوقية والسياسية.
مداهمة فجراً واقتياد إلى جهة غير معلومة
وأكد المحامي الحقوقي خالد علي خبر الاعتقال، موضحًا أن قوة أمنية اقتحمت منزل دومة في الساعات الأولى من فجر الثلاثاء واقتادته إلى جهة غير معلومة، دون إبراز إذن قضائي أو الإعلان عن أسباب القبض عليه أو التهم المنسوبة إليه حتى لحظة إعداد هذا التقرير. وحتى الآن، لم تصدر أي بيانات رسمية من وزارة الداخلية أو الجهات المعنية تؤكد أو تنفي الواقعة أو تكشف عن مكان احتجاز دومة.
وتُعد طريقة القبض وتوقيته، وفق حقوقيين، مؤشرًا مقلقًا على عودة أنماط المداهمات الليلية والاحتجاز دون إعلان رسمي، وهو ما يتعارض، بحسبهم، مع الضمانات الدستورية والإجرائية المتعلقة بحقوق المحتجزين.
تضامن واسع وتحذيرات من “مرحلة جديدة”
وسرعان ما انتشرت أنباء الاعتقال على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما عبر منصة “إكس” (تويتر سابقًا)، حيث تداول عدد من النشطاء والمحامين الخبر، من بينهم المحامي طارق العوضي، والمدون وائل عباس، وغيرهم، معبرين عن صدمتهم من الواقعة ومعلنين تضامنهم مع دومة.
وفي تعليق لافت، كتب المحامي طارق العوضي على صفحته بموقع “فيسبوك” أن “القبض ليس خبرًا بل إعلان مرحلة”، معتبرًا أن توقيت المداهمة فجراً “اختيار مقصود” يحمل رسالة “كسر وردع”، ويعكس – على حد تعبيره – “إغلاق المجال العام إلى آخره”، مضيفًا أن “الأيام القادمة لا تحمل إشارات تفاوض ولا احتمالات إصلاح”.
دومة.. من العفو الرئاسي إلى الاستهداف مجددًا
ويأتي اعتقال أحمد دومة بعد نحو عامين من خروجه بعفو رئاسي، حيث أُفرج عنه في أغسطس 2023، عقب قضائه أكثر من عشر سنوات في السجن على خلفية قضايا سياسية، أبرزها القضية المعروفة إعلاميًا بـ“أحداث مجلس الوزراء”. ويُعد دومة، المولود عام 1988، أحد أبرز رموز ثورة يناير، وواحدًا من أكثر النشطاء تعرضًا للملاحقة خلال العقد الماضي.
ومنذ خروجه من السجن، واصل دومة نشاطه في الدفاع عن المعتقلين وسجناء الرأي، وشارك في حملات تضامن واسعة، كما أطلق قبل أيام مبادرة تدعو إلى الإفراج عن المحبوسين على خلفية قضايا الرأي، وندد بشكل مكثف بالاعتداء الذي تعرض له المعتقل محمد عادل داخل محبسه، وهو ما اعتبره ناشطون سببًا محتملًا لتصاعد الضغوط الأمنية عليه.
ورغم الإفراج عنه، ظل دومة، بحسب محامين، خاضعًا لاستدعاءات متكررة من نيابة أمن الدولة العليا، إضافة إلى فرض حظر سفر عليه، وفتح قضايا مرتبطة بكتاباته ونشاطه الأدبي، من بينها ما يتعلق بديوانه الشعري “كيرلي”، وهو ما يعكس – وفق حقوقيين – استمرار القيود الأمنية على من شملهم العفو الرئاسي.
ذكرى يناير والقلق الحقوقي المتصاعد
ويرى مراقبون أن توقيت اعتقال دومة، قبيل أيام قليلة من ذكرى 25 يناير، يعكس حالة توتر أمني متكرر تتزامن عادة مع هذه المناسبة، حيث تُسجل في مثل هذا التوقيت من كل عام زيادة في الاستدعاءات الأمنية والقبض على نشطاء أو مواطنين على خلفيات سياسية.
وتحذر منظمات حقوقية محلية ودولية من أن هذه الإجراءات تعمّق أزمة الثقة بشأن ملف الحريات، وتطرح تساؤلات حول جدوى الحديث عن “انفراجة سياسية” أو “حوار وطني” في ظل استمرار القبض على معارضين وناشطين بارزين، حتى أولئك الذين خرجوا بعفو رئاسي.
قضية أخرى.. الإخفاء القسري يعود إلى الواجهة
وفي سياق متصل يعكس اتساع دائرة القلق الحقوقي، ظهر مساء أمس المواطن حسن اجميعان عبد العزيز حجابي، البالغ من العمر 60 عامًا، وهو مدرس على المعاش، أمام نيابة أمن الدولة العليا، بعد تعرضه للإخفاء القسري لمدة 13 يومًا.
وكان حجابي قد أُوقف في 5 يناير من مقر إقامته بشارع مدرسة الشهيد أحمد حمدي الابتدائية، بدائرة قسم ثانٍ العريش بمحافظة شمال سيناء، قبل أن ينقطع التواصل معه تمامًا، دون تمكين أسرته أو محاميه من معرفة مكان احتجازه طوال تلك الفترة.
وبعد 13 يومًا من الإخفاء القسري، عُرض لأول مرة على نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 51 حصر أمن دولة عليا لسنة 2026، حيث قررت النيابة حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق، ووجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها. وجرى ترحيله إلى سجن العاشر من رمضان (تأهيل 2) لاحتجازه على ذمة القضية.
مشهد واحد ورسائل متعددة
تضع واقعتا اعتقال أحمد دومة وظهور حسن حجابي بعد أيام من الإخفاء القسري، بحسب حقوقيين، علامات استفهام جديدة حول مستقبل الحريات العامة خاصة مع اقتراب ذكرى ثورة يناير، التي لا تزال تمثل رمزًا سياسيًا حساسًا في الذاكرة العامة.
وفي ظل غياب بيانات رسمية توضح ملابسات القبض على دومة أو مكان احتجازه، تتزايد الدعوات الحقوقية المطالبة بالكشف عن مصيره وضمان حقوقه القانونية، ووقف ما تصفه بـ“سياسة التدوير والاحتجاز التعسفي”، محذرة من أن استمرار هذه الممارسات يفاقم الاحتقان السياسي ويغلق أي أفق لإصلاح حقيقي أو مصالحة مجتمعية.

