في فيديو متداول التقطه مواطنون في شارع حسن المأمون بمدينة نصر ، تظهر سيارة دفع رباعي بيضاء تتحرك عكس اتجاه السير وسط حركة المرور، بينما يتجمع المارة على جانبي الطريق ويتحول المشهد إلى حالة ارتباك وخطر مفتوح على الاحتمالات.

 

لا يهم هنا اسم الشخص أو صفته بقدر ما يهم المعنى الذي يتركه المشهد في وعي الناس: حين يصبح خرق القواعد علنًا ممكنًا بلا كلفة، فإن الرسالة التي تصل للشارع هي أن “القانون للضعفاء”، وأن من يفترض أن يكون قدوة في احترام النظام العام يمكنه أن يتعامل مع الطريق كأنه ملكية خاصة.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by القاهرة 24 (@cairo24)

 

المشهد في الفيديو: مخالفة فجة تتحول إلى استعراض نفوذ

 

الفيديو لا يوثق “غلطة سائق” عابرة بقدر ما يوثق سلوكًا يحمل نَفَس الاستثناء. السيارة تتحرك في مسار معاكس وسط الطريق، والمحيطون بها يتصرفون بين محاولة تجنبها والتحديق في دهشة، وكأن الواقعة ليست مجرد مخالفة مرورية بل اختبار لمدى قدرة المجتمع على الاعتراض.

 

خطورة السير عكس الاتجاه ليست قانونية فقط، بل إنسانية أيضًا: لحظة واحدة قد تتحول إلى تصادم كارثي، وكل من في الطريق يصبح رهينة قرار فردي متعجرف. وعندما تُنسب الواقعة إلى نائب أو شخصية عامة، تتضاعف الخطورة لأن المعنى ينتقل من شخص إلى مؤسسة: البرلمان الذي يفترض أن يصنع القواعد ويشدد على احترامها، يظهر في مخيلة الناس كجسم يتسامح مع خرق القواعد أو يمارسه.

 

سوء مستوى النواب ليس عرضًا فرديًا بل نتيجة منظومة

 

تدهور صورة البرلمان في الشارع لم يصنعه فيديو واحد، بل تراكمت حوله مؤشرات كثيرة: خطابات إنشائية، حضور باهت، غياب أدوات رقابية حقيقية، وندرة المواقف التي تُشعر المواطن أن هناك من يسأل الحكومة باسم الناس. في هذا السياق يصبح الفيديو “علامة” لا “حادثة”: علامة على ثقافة سياسية تُكافئ الولاء أكثر مما تكافئ الكفاءة، وتُنتج نوابًا يتعامل بعضهم مع المنصب كحصانة اجتماعية لا كمسؤولية عامة.

 

وبدل أن يشتغل البرلمان على بناء هيبته عبر التشريع الجاد والرقابة والمحاسبة، ينشغل الرأي العام بمشاهد تضعه في خانة السخرية والغضب. الأخطر أن هذه الصورة تُعمّق فقدان الثقة في فكرة التمثيل نفسها: إذا كان النائب لا يحترم أبسط قواعد الطريق، فكيف يُنتظر منه احترام قواعد الدستور والشفافية والمساءلة؟

 

التعطيل والتدجين: حين يُفرغ البرلمان من وظيفته لصالح “حكومة الانقلاب”

 

المشهد المروري يلتقي مع مشهد سياسي أكبر: تعطيل أعمال البرلمان تحت ذرائع إدارية وتدريبية، بما يوحي أن المؤسسة التشريعية يمكن تجميدها وتحريكها وفق إيقاع تحدده السلطة التنفيذية. هذا التعطيل لا يضر “النواب” فقط، بل يضر المجتمع كله، لأنه يجمّد مساحة مساءلة الحكومة في ملفات المعيشة والأسعار والخدمات والحقوق.

 

ومع كل توقف أو إرجاء، تتسع مساحة القرار المنفرد، وتضعف فكرة التوازن بين السلطات. وحين تُقدَّم الدورات والتأهيل باعتبارها شرطًا مسبقًا لبدء العمل، يصبح الأمر أقرب إلى وصاية على البرلمان لا إلى تطوير مهني. هكذا تبدو “حكومة الانقلاب” وكأنها تريد مجلسًا مُدارًا لا مجلسًا يُدير، مجلسًا يتلقى التعليمات أكثر مما يوجه الأسئلة، ومجلسًا يُستخدم كديكور سياسي حين يلزم، ثم يُعطَّل حين يصبح عبئًا على الصورة.


وأخيرًا من عكس الاتجاه على الطريق إلى عكس اتجاه الدولة

 

قد يبدو السير عكس الاتجاه مجرد لحظة مصورة، لكنه في الحقيقة يلخص منطقًا يراه الناس يوميًا: الاستثناء يتحول إلى قاعدة، والمحاسبة تختفي، والمؤسسات تفقد معناها. علاج الأزمة ليس في تبرير الواقعة أو تحويلها إلى “ترند”، بل في تثبيت مبدأ بسيط: لا أحد فوق القانون، خصوصًا من يسنّه أو يفترض أن يحميه. البرلمان الذي يريد احترامًا عليه أن يبدأ باحترام الناس: انعقاد منتظم، رقابة حقيقية، شفافية، ومحاسبة لأي نائب يتصرف بعقلية النفوذ.

 

أما استمرار التعطيل وإدارة المجلس بروح التبعية، فهو طريق مضمون لمزيد من الفوضى الرمزية والواقعية، حيث يصبح عكس الاتجاه في الشارع انعكاسًا لعكس الاتجاه في السياسة: دولة تُطلب فيها الطاعة من الجميع، بينما تُمنح الاستثناءات لمن هم في القمة.