يشهد جنوب اليمن تحوّلًا غير مسبوق في مساره السياسي والأمني، مع انحسار نفوذ مليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات، وعودة مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى واجهة المشهد.
تحولات متسارعة طالت عدن، حضرموت، المهرة، وسقطرى، وامتد أثرها إلى بنية السلطة المركزية، لتفتح صفحة جديدة عنوانها إعادة الاعتبار للدولة، وإنهاء مرحلة الوصاية والكيانات المسلحة الموازية.
من هيمنة المليشيا إلى خطاب الدولة
لسنوات، مثّل وجود المجلس الانتقالي الجنوبي أحد أبرز عوامل تفكك السلطة في المحافظات الجنوبية، حيث فرض واقعًا أمنيًا هشًا، وكرّس منطق السلاح بدل القانون، وأدخل الجنوب في صراعات داخلية استنزفت موارده وعمّقت معاناة السكان.
غير أن التطورات الأخيرة، المدعومة بقرارات سياسية وعسكرية حاسمة، أفضت إلى خروج هذه المليشيا من مواقع النفوذ، وفتحت الباب أمام خطاب رسمي جديد يركّز على الاستقرار والتنمية.
عدن.. استعادة الطابع المدني للعاصمة المؤقتة
في عدن، العاصمة المؤقتة، بدأت ملامح التحوّل تظهر بوضوح. السلطات المحلية أكدت أن المرحلة المقبلة ستشهد أولوية للأمن وتحسين الخدمات، بالتوازي مع خطة لإخراج المعسكرات من داخل المدينة وتحويل مواقعها إلى منشآت مدنية. هذه الخطوة، التي تُنفذ بالتنسيق مع التحالف بقيادة السعودية، تهدف إلى إعادة عدن إلى دورها الطبيعي كعاصمة إدارية واقتصادية، بعد سنوات من العسكرة والاغتيالات والانقسام.
وترافق ذلك مع ترتيبات لعودة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة إلى عدن مطلع فبراير، في خطوة وُصفت بأنها “عودة نهائية” لمؤسسات الدولة، بعد أن ظلّ القرار السيادي معطّلًا بفعل نفوذ التشكيلات المسلحة.
حضرموت والمهرة.. الأمن بالقانون لا بالسلاح
في حضرموت، أطلقت السلطات حملة واسعة لمنع التجول بالسلاح، وحصره بيد المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية. القرار جاء عقب عملية عسكرية خاطفة أعادت السيطرة الكاملة على المحافظة، وكشفت حجم الفوضى التي خلّفها وجود التشكيلات الموالية للإمارات.
أما في المهرة، فقد أعلنت السلطات مهلة زمنية لإعادة الأسلحة المنهوبة من المعسكرات، وشكّلت لجنة أمنية مشتركة لتوحيد القرار العسكري. تجربة المهرة عكست نموذجًا مختلفًا، حيث جرى تجاوز الأزمة بأقل كلفة ممكنة، دون انزلاق إلى مواجهات دموية، ما عزّز القناعة بأن الاستقرار الحقيقي يُبنى بالحوار وسيادة القانون.
سقطرى.. استعادة السيادة والهوية
أرخبيل سقطرى، الذي شكّل لسنوات نموذجًا صارخًا للتدخل الإماراتي، بدأ بدوره يستعيد حضوره اليمني. اجتماعات موسعة للسلطة المحلية مع زعماء القبائل ركّزت على توحيد الصف، والحفاظ على الاستقرار، وتحويل الجزيرة من ساحة نفوذ إقليمي إلى مساحة تنمية وسياحة وبيئة. تراجع النفوذ الخارجي في سقطرى أعاد فتح النقاش حول السيادة الوطنية، وحق السكان في إدارة شؤونهم بعيدًا عن الإملاءات.
قرارات حاسمة في قمة السلطة
التحول الميداني رافقته قرارات سياسية لافتة في صنع القرار المركزي. فقد أعلن مجلس القيادة الرئاسي إقصاء عيدروس الزبيدي وفرج البحسني من عضويته، وتعيين شخصيتين بديلتين، في خطوة اعتُبرت إعلانًا صريحًا لنهاية الشراكة القسرية مع حلفاء أبوظبي.
إسقاط الزبيدي ترافق مع فتح ملف قضائي يتضمن اتهامات ثقيلة، أبرزها الخيانة العظمى وتقويض مؤسسات الدولة، فيما عُزي إقصاء البحسني إلى الغياب والإخلال بالواجبات الدستورية. هذه الخطوات عكست توجّهًا جديدًا داخل الشرعية، يسعى لإعادة ضبط موازين السلطة، وإنهاء مرحلة الابتزاز السياسي.
الحكومة الجديدة.. اختبار الجدية
في موازاة ذلك، يجري التحضير لتشكيل حكومة جديدة بوجوه مختلفة، برئاسة شائع الزنداني. ورغم الحديث عن ضخ دماء جديدة، إلا أن بقاء بعض الوزراء السابقين يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة المرتقبة على إحداث قطيعة فعلية مع الماضي.
التغيير الأبرز يتمثل في تقليص نفوذ المجلس الانتقالي داخل الوزارات السيادية، في محاولة لإعادة مركزية القرار الحكومي، بعد سنوات من التشتت وتعدد المرجعيات.
تحديات إنسانية لا تنتظر
وسط هذه التحولات، لا تغيب الصورة القاتمة للوضع الإنساني. منظمات دولية حذّرت من تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي، مع توقّع أن يواجه أكثر من نصف السكان مستويات خطيرة من الجوع خلال 2026. هذه التحذيرات تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: فنجاح المسار السياسي والأمني لن يكتمل دون معالجة الأوضاع المعيشية، وإنقاذ ملايين اليمنيين من شبح الجوع.

