بينما تعلن حكومة مصطفى مدبولي أرقامًا “قياسية” للنمو والاستثمار، تكشف البيانات الرسمية عن واقع مغاير: دين خارجي يقفز إلى نحو 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025 بزيادة 8.5 مليارات دولار في عام واحد، واقتصاد رسمي تلتهم خدمة ديونه أكثر من نصف مصروفات الموازنة الجديدة 2025/2026، وفق تحليلات مستقلة.
في الخلفية، يتمدّد اقتصاد الجيش بامتيازات وإعفاءات لا يتمتع بها أحد، بينما يُطالَب المواطن والقطاع الخاص بتحمّل كلفة “الإصلاح”. أمام هذا المشهد، يحذّر خبراء اقتصاد مصريون من أن مصر تتحوّل إلى دولة تعمل لخدمة الدائنين، فيما تتآكل سيادتها المالية وقدرتها على القرار المستقل.
اقتصاد مخنوق بفوائد الديون
تكشف أحدث بيانات البنك الدولي أن الدين الخارجي لمصر وصل إلى 163.7 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2025، بزيادة 2.5 مليار دولار في ثلاثة أشهر و8.5 مليارات في عام واحد، رغم وعود رسمية متكررة بخفض المديونية.
في المقابل، يوضح تقرير حديث للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية حول موازنة 2025/2026 أن فوائد الديون وحدها تلتهم نحو نصف الإنفاق الحكومي (باستثناء أصل الدين)، وأنها تجاوزت 11% من الناتج المحلي، متفوقة على مجمل الإنفاق على الأجور والدعم والتعليم والصحة معًا.
الاقتصادية سلمى حسين، المشاركة في إعداد دراسات سابقة عن الدَّين، ترى أن ما يحدث ليس مجرد “أزمة سيولة”، بل تحوّل بنيوي يجعل الموازنة “ميزانية لخدمة الدَّين”، حيث يُوجَّه نحو 58% من الاقتراض الجديد أساسًا لسداد قروض سابقة، لا لتمويل استثمار منتج.
أما الخبير الاقتصادي مدحت نافع فيلفت، في تصريحات تلفزيونية، إلى أن نحو نصف مصروفات الدولة يذهب اليوم لخدمة الديون، ما يضغط بشدة على قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية والاستثمار العام، محذرًا من أن استمرار هذا المسار يعني أن كل زيادة في الإيرادات أو الضرائب تُستهلك في الفوائد بدل تحسين حياة الناس أو دعم الإنتاج.
بهذا المعنى، تدخل مصر في حلقة مفرغة: تقترض لسداد أقساط وفوائد قديمة، فتزداد المديونية، فترتفع كلفة خدمتها، فتضطر للاقتراض من جديد، بينما يتراجع نصيب المواطن من التعليم والصحة والدعم، رغم توسّع أرقام الموازنة الاسمية بفعل التضخم.
اقتصاد موازٍ للجيش يلتهم المجال الاقتصادي
إلى جانب أرقام الدَّين، تتجه الأنظار إلى الاقتصاد الموازي للمؤسسة العسكرية، الذي تمدّد خلال العقد الأخير ليشمل قطاعات من البناء والطرق إلى الطاقة والتعدين والذهب. تقارير بحثية مستقلة، من بينها دراسة منشورة بعنوان “Egypt’s Army Inc.: The Rise of a Military Economy”، توثّق امتيازات واسعة لشركات الجيش، من إعفاءات ضريبية وجمركية، واستخدام عمالة conscript منخفضة التكلفة، وصولًا إلى أولوية في التعاقدات الحكومية.
مجلة The Economist البريطانية ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن إنقاذ الاقتصاد المصري يمرّ حتمًا عبر تقليص دور الجيش الاقتصادي الذي يخنق المنافسة ويزاحم القطاع الخاص على الفرص والتمويل، في بيئة تفضّل البنوك فيها إقراض الدولة ومؤسساتها شبه العسكرية على تمويل مشروعات إنتاجية حقيقية.
الاقتصادي والصحفي وائل جمال يصف، في مقال بـ”الأهرام أونلاين”، وضع الديون المصرية بأنه “فخّ ديون” لا يقتصر على أرقام الاقتصاد، بل يمتد إلى السيادة السياسية؛ فزيادة الاعتماد على القروض الخارجية، مع غياب الشفافية والرقابة على كيفية إنفاقها، يفتح الباب أمام نفوذ أوسع للمؤسسات المالية الدولية والدول الدائنة على القرار المصري.
في ظل هذا التمدد العسكري الاقتصادي، تصبح قطاعات كاملة — من استغلال مناجم الذهب إلى مشروعات البنية التحتية الضخمة — خارج معايير المنافسة العادلة والإفصاح، ما يضعف ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، ويجعل الدولة نفسها تعتمد على بيع أصول أو منح امتيازات طويلة الأجل لسد فجوات التمويل بدل إصلاح نموذج النمو من جذوره.
كيف يقرأ الخبراء مخرجًا من دائرة الدَّين والعسكر؟
تتفق تحليلات خبراء الاقتصاد على أن الاستمرار في الاقتراض بنفس الوتيرة، مع بقاء هيمنة الجيش على قطاعات استراتيجية، وصفة مضمونة لمزيد من الأزمات. تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية يشير بوضوح إلى أن الفوائد وحدها باتت أكبر من عجز الموازنة، وأنه لولا عبء الديون لحققت الحكومة فائضًا أوليًا، لكن هذا “الفائض” لا يعود على المجتمع ما دام يُستخدم فقط لتجميل المؤشرات أمام الدائنين.
الاقتصادية سلمى حسين تحذّر من أن الاعتماد المتزايد على قروض من حلفاء سياسيين وصناديق دولية، في ظل ضعف الرقابة البرلمانية وغياب ربط القروض بمشروعات تنموية واضحة، هو “علامة أزمة أكثر منه خطة تنمية”، لأن الدولة تلجأ للدَّين لسد فجوات عاجلة في العملة الصعبة لا لتغيير بنية الاقتصاد.
من جانبه، يشدد مدحت نافع على أن تخفيف عبء الديون يتطلب وقف الاستخدام السياسي للموازنة، وكبح التوسع في مشروعات ضخمة منخفضة العائد، وإعادة ترتيب الأولويات لصالح الصناعة والزراعة والخدمات المنتجة، بدل الاستمرار في سياسة “الدولة المقاول” التي ترفع أرقام الاستثمار على الورق، بينما لا تولّد ما يكفي من دولارات لسداد الالتزامات الخارجية.
أما وائل جمال فيربط بين مسار الدَّين ومسار الديمقراطية؛ فكلما تعمّقت تبعية الاقتصاد لقروض وشروط خارجية، تراجعت قدرة المجتمع على مراقبة السلطة، واتّسع نفوذ الأجهزة غير المنتخبة — وعلى رأسها المؤسسة العسكرية — في توجيه المال العام. ويخلص إلى أن الخروج من الفخ يتطلب استعادة الشفافية والرقابة الشعبية على الاقتراض، وفتح ملفات الديون السابقة والحالية للمراجعة والمساءلة.
في المحصلة، لا يبدو أن حل أزمة الديون في مصر مسألة أرقام أو تقسيط جديد فقط، بل معركة على شكل الدولة نفسها: هل تبقى دولة تعمل أولًا لصالح الدائنين والاقتصاد الموازي المغلق، أم تعيد تعريف أولوياتها لصالح المجتمع، عبر تحجيم اقتصاد الجيش، ووضع سقف واضح للاقتراض، وربط كل جنيه دَين بمشروع إنتاجي يخضع لمحاسبة حقيقية؟ هذا هو السؤال الذي يفرضه مسار الديون اليوم، قبل أن تجيب عنه أجيال ستدفع الفاتورة غدًا.

