في بلد يتقلّص فيه المجال العام عامًا بعد عام، وتتحوّل السياسة إلى نشاط عالي الكلفة ومحفوف بالمخاطر، يطرح الكاتب والمفكر السياسي عمار علي حسن أسئلة قاسية حول معنى الحوار وحدود الكلام ودور المثقف والمعارضة، في لحظة يصفها بأنها مأزومة على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية.

 

من موقع الشاهد والناقد، يربط حسن بين تغليظ عقوبات “الأخبار الكاذبة” وموت الصحافة، وبين هندسة الانتخابات وتحوّل البرلمان إلى “قنطرة” لتمرير إرادة السلطة التنفيذية، وبين انسداد أطر الحوار وارتفاع منسوب العنف الاجتماعي، وصولًا إلى أزمة الكتابة والدراما وتراجع مكانة الثقافة والمثقفين.


 

في هذا التقرير، نعيد صياغة أبرز ما جاء في شهادته المطوّلة، في محاولة لرسم صورة بانورامية لمشهد عام يراه يميل إلى مزيد من القسوة والانسداد.

 

صحافة مكبّلة وقوانين أكثر قسوة.. وحق المعرفة مُصادَر

 

يرى عمار علي حسن أن موجة الاتهامات بنشر أخبار كاذبة، والسعي إلى تغليظ العقوبات المرتبطة بها، تعكس اعتلالًا عميقًا في علاقة السلطة بالحقيقة.

يميّز بوضوح بين الخبر الكاذب والخبر الخاطئ، وبين الكذب المتعمّد والخطأ غير المقصود، مؤكدًا أن السلطة كثيرًا ما تستخدم وصف “الأخبار الكاذبة” لتجريم أي رواية لا تروق لها، متجاهلة أن حجب المعلومات أصلًا هو أحد أهم أسباب الأخطاء الصحفية.

 

يشير حسن إلى أن العقوبات السارية حاليًا على الصحفيين “كافية، بل كثيرة ومغلظة”، وأن الجماعة الصحفية ناضلت لعقود من أجل تخفيفها، لكن المؤسف – في نظره – أن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس: مزيد من العقوبات في لحظة “ماتت فيها الصحافة تقريبًا وكُتمت أنفاسها”.

فالصحافة المصرية اليوم، كما يقول، لا تستطيع أن تنتقد مسؤولًا كبيرًا، ولا حتى موظفًا بيروقراطيًا صغيرًا؛ الكل يعمل تحت “ضباب كثيف” يحجب المعلومات عن الناس.

 

نتيجة ذلك، تلاشت الصحافة الخبرية، وغابت التحقيقات الاستقصائية، وبات كتّاب الرأي ملاحقين بين رقابة ذاتية صنعتها سنوات القمع، وتعليمات مباشرة تُنقل إلى رؤساء التحرير.

في هذا السياق، لا يرى حسن أن إصدار قانون لحرية تداول المعلومات سيكون كافيًا ما لم تُنشأ مفوضية الشفافية التي نصّ عليها الدستور، وتعاقِب من يحجب المعلومات.

فالقانون، إن تحوّل إلى أداة ضغط وحصار للحريات، يفقد جوهره الذي يجب أن يكون استجابة لحق أصيل للشعب في المعرفة ومراقبة ما يُفعل باسمه وبأمواله.

 

برلمان “مجروح”، وحوار وطني مُهدَر، ومعارضة “قلائد زينة”

 

على صعيد الحياة النيابية، يصف عمار علي حسن الانتخابات البرلمانية الأخيرة بأنها “الأطول والأعجب” في تاريخ الحياة النيابية المصرية، إذ شابتها – بحسب شهادته – فوضى وخروقات وانتهاكات بلغت حدّ استدعاء تدخل رئيس الجمهورية نفسه.

البرلمان الناتج عن هذه العملية الانتخابية سيظل، في رأيه، “مجروحًا في ضمير الشعب”، وكل ما يصدر عنه من تشريعات سيبقى مجروحًا بدوره، حتى لو استوفى الشروط الشكلية والإجرائية لانعقاده.

 

يعتبر حسن أن ما جرى يمثل امتدادًا لنمط سابق، بدأ مع برلماني ٢٠١٥ و٢٠٢٠، حيث القوائم المطلقة المغلقة والدوائر الفردية المحسومة سلفًا، لكن ما ميّز الجولة الأخيرة هو “تجاوز الحدود المعتادة” وصولًا إلى هندسة العملية الانتخابية برمتها وتحديد النتائج قبل وضع المقدمات.

وفي ظل أغلبية “ميكانيكية كاسحة” في يد السلطة، يتحول البرلمان – كما يقول – إلى مجرد “قنطرة” تعبر عليها السلطة التنفيذية لتمرير ما تشاء.

 

أما “الحوار الوطني”، فيراه فرصة أُهدرت؛ كان يمكن أن يفتح قناة جادة بين السلطة والمعارضة والخبراء والمستقلين، لكن التعامل معه جرى بوصفه حملة علاقات عامة أو وسيلة لتخفيف الضغوط.

لم يُترجم إلى خطة عمل سياسية واضحة، ولا إلى إصلاح حقيقي، ثم طوي الملف مع انشغال الدولة بحرب “طوفان الأقصى”، لتتكرر نماذج عرفناها في عهود سابقة: حوار في وقت الأزمة، ثم عودة إلى نقطة الصفر بعد انقضائها.

 

في ما يتعلق بالمعارضة، يقدّم حسن تشخيصًا قاسيًا؛ فلدينا، في رأيه، معارضة صُنعت بمال السلطة ونفوذها، تُرسم لها الأدوار والحدود والمغانم، ومعارضة حقيقية حاولت التمرد فتعرضت للحصار والتشويه وتجفيف مصادر التمويل.

يرفض ما يُسمّى “معارضة الحيز المتاح” التي ترضى بدور “قلائد زينة” في عنق السلطة، ويعوّل أكثر على “معارضة سائلة” واسعة تضم مفكرين وخبراء وفاعلين اجتماعيين ومواطنين عاديين، وإن كانت غير منتظمة في أطر تنظيمية واضحة.

 

عنف اجتماعي متصاعد وأزمة كتابة وثقافة في ظل انسداد المجال العام

 

يتوقف عمار علي حسن طويلًا أمام تصاعد العنف في المجتمع المصري خلال العامين الأخيرين، خصوصًا العنف الموجّه نحو الفئات الأضعف كالنساء والأطفال.

يرفض التفسيرات الأحادية، ويرى أن العنف نتاج منظومة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية والنفسية.

 

سياسيًا، يربط بين إغلاق أطر الحوار العام وغياب مساحات التنفيس، وبين القرارات السلطوية التي تثقل كاهل المواطنين وتضغط على معيشتهم.

اقتصاديًا، يتحدث عن “مجتمعات ندرة” تتسع بفعل التضخم والفقر وضيق العطاء، حيث يتحول ضيق ذات اليد إلى غضب قد يُوجّه نحو المجتمع حين يُستحيل توجيهه إلى السلطة.

دينيًا، يلفت إلى تراجع الوازع الأخلاقي نتيجة سقوط بعض الرموز والمؤسسات في اختبار العقد الأخير، وفقدانها القدرة على تقديم القدوة والقدرة على الإقناع.

 

يضيف إلى ذلك دور “نفايات العنف” المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعاد تدوير مشاهد الجرائم والبذخ والاستهلاك المفرط، مع انتشار أنواع جديدة من المخدرات والأمراض النفسية غير المعالَجة، وكلها عوامل تغذي دائرة عنف متسعة.

 

على المستوى الثقافي، يرى حسن أن أزمة الكتابة والدراما ليست نقصًا في الكتّاب المبدعين، بقدر ما هي تعبّر عن منظومة نشر وإعلام مضطربة، تتواطأ فيها دور نشر تجارية تنشر الرديء مقابل المال، ومنطق مجتمعي ينظر إلى الثقافة باعتبارها ترفًا، وسلطة قلقة من المثقفين بوصفهم حاملي وعي.

انقطعت الصلة تقريبًا بين الأدب والدراما، انكمشت المساحات الثقافية في الصحافة، تراجعت دوريات ومجلات الثقافة إلى أرقام طبعة هزيلة، وتعرض المثقف الناقد للسلطة والحامل لهموم الناس إلى حصار شديد أضعف رمزيته في عيون الجمهور.

 

وسط هذا كله، يظل السؤال الذي يطرحه عمار علي حسن قائمًا: في بلد يُخنق فيه المجال العام، كيف يمكن للمثقف والصحفي والمعارض أن يؤدي دوره، وكيف يمكن لمجتمع محاصر بالعنف والندرة أن يتخيّل مستقبلًا مختلفًا دون إعادة الاعتبار للحرية والمعرفة والحوار؟