تتزايد شكاوى أصحاب المخابز البلدية ومنافذ صرف السلع التموينية من تراكم أزمات متزامنة؛ أزمة في توفير الدقيق والكُلف الفعلية للإنتاج، في مقابل مطالبة رسمية بـ«ديون» وفروق وتسويات بأرقام كبيرة يعتبرها كثيرون غير منطقية، إلى جانب تأخر صرف مستحقات قديمة مثل حافز الجودة وفروق السولار وفرق التكلفة.

الأزمة الحالية تعيد إلى الأذهان ما حدث مع عدد من أصحاب منافذ «جمعيتي» والبقالين التموينيين، الذين فوجئوا بدورهم بمطالبات مالية ضخمة بعد سنوات من العمل داخل المنظومة نفسها.

 

ديون بالملايين واتهامات من طرف واحد

 

جوهر المشكلة، كما يصفه أصحاب المخابز، هو شعورهم بأن الوزارة تتعامل معهم باعتبارهم «مدينين افتراضيين»، بينما لا تزال مستحقاتهم الأساسية لم تُسدَّد كاملة. فمنذ سنوات، تتحدث تصريحات رسمية عن مستحقات متأخرة ضخمة لأصحاب المخابز تشمل حافز الجودة، وفروق أسعار السولار، وفرق التكلفة؛ ففي إحدى المراحل قدّرت وزارة التموين إجمالي المتأخرات بنحو ١,٦ مليار جنيه، مع صرف جزء منها فقط على دفعات، بحسب المتحدث الرسمي للوزارة آنذاك.


 

في المقابل، طالب ممثلو شعبة المخابز مرارًا بصرف هذه المستحقات قبل إدخال أي تعديلات جديدة على المنظومة أو تحميل المخابز أي التزامات إضافية، مشيرين إلى أن المتأخرات شملت فترات طويلة عن حافز الجودة وفروق السولار وفرق التكلفة، وأن ما صُرف في بعض السنوات لم يكن إلا جزءًا من إجمالي ما هو مستحق لهم.

 

اليوم، وفق شكاوى متداولة في أوساط أصحاب المخابز، يتكرر النمط نفسه في صورة مختلفة؛ إذ يفاجَأ أصحاب الأفران ومنافذ التموين بمطالبات مالية كبيرة، تحت مسميات «فروق تسوية» أو «عجز دقيق» أو «تعديلات على المنظومة»، بينما لا تتوفر لهم دائمًا كشوفات تفصيلية واضحة أو آلية شفافة للطعن والتظلم، رغم أن وزارة التموين نفسها سبق أن أعلنت عن لجان للتظلمات لمراجعة الغرامات والمخالفات.

 

هذا الوضع يخلق شعورًا عامًا بالظلم لدى شريحة واسعة من أصحاب المخابز، الذين يرددون في بياناتهم وشكاواهم أن الدولة «تأخذ حقها كاملًا أولًا بأول، بينما يظل حق أصحاب الأفران على قوائم الانتظار»؛ وهو مناخ يشبه – في نظرهم – ما حدث مع أصحاب منافذ «جمعيتي» حين تحوّلوا فجأة من شركاء في مشروع تمويني إلى مطالبين بتسديد مديونيات كبيرة بأثر رجعي.

 

حافز الجودة وفروق السولار: مستحقات معلّقة في ظل ارتفاع التكلفة

 

من الناحية النظرية، أُقرّ حافز الجودة لأصحاب المخابز كأداة لتحسين رغيف الخبز وربط جزء من العائد بالتزام المخبز بالمواصفات؛ إذ حدّدته وزارة التضامن الاجتماعي قبل سنوات بواقع ٥ جنيهات عن كل جوال دقيق ١٠٠ كجم للمخابز الملتزمة التي لا تُسجَّل ضدها مخالفات خلال الفترة المحددة.

 

كما أُقرّ صرف فروق أسعار السولار وفرق التكلفة، بعد تحرير أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج، حتى لا يتحمّل صاحب المخبز وحده عبء الزيادات الدورية في أسعار الوقود والكهرباء والعمالة وقطع الغيار، وهي عناصر مرتبطة مباشرة بسعر السولار الذي تعتمد عليه آلاف الأفران البلدية.

 

لكن واقع التنفيذ ظل متعثرًا؛ فبعض البيانات الرسمية تحدثت عن صرف أجزاء من هذه المستحقات في محافظات بعينها، مع وعد باستكمالها على دفعات قبل نهاية العام، في حين أكدت تصريحات لاحقة لرؤساء الشعب العامة أن ما صُرف فعليًا يمثل نسبة محدودة من إجمالي المتأخرات، وأن مبالغ كبيرة ظلت معلَّقة لسنوات.

 

في السنوات الأخيرة، تضاعف الضغط مع زيادة أسعار الوقود عالميًا وتأثيرات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية على أسعار الحبوب والشحن؛ ورغم أن الدولة تحمّلت جانبًا مهمًا من عبء هذه الزيادات للحفاظ على سعر رغيف الخبز المدعم، فإن أصحاب المخابز يشيرون إلى أن هامش ربحهم الفعلي تآكل بشكل كبير، خاصة في ظل تأخُّر صرف حافز الجودة وفروق السولار، وعدم تحديث تكلفة الإنتاج بالسرعة الكافية لمواكبة الواقع.

 

استغاثات من «الطاقة الإنتاجية» إلى «البقاء نفسه»

 

مع تراكم هذه العوامل، لم تعد استغاثات أصحاب المخابز تتحدث فقط عن صعوبة الاستمرار في ضخ نفس كميات الخبز أو الحفاظ على الجودة، بل بدأت – في بعض الحالات – تلوّح بخطر الإغلاق الجزئي أو الكلي.

في مذكرات ومطالب رسمية رُفعت عبر الاتحاد العام للغرف التجارية وشعب المخابز في عدد من المحافظات، تؤكد هذه الجهات أن تأخر صرف المستحقات، إلى جانب نقص بعض مستلزمات الإنتاج وارتفاع أسعار الطاقة، يدفع عددًا من الأفران إلى حافة العجز عن تغطية التزاماتها الأساسية من أجور وإيجارات وفواتير.

 

أصحاب منافذ التموين و«جمعيتي» يرددون الشكوى نفسها تقريبًا، مع اختلاف التفاصيل؛ فالعائد المحدود على كل بطاقة تموينية أو على كل عملية صرف، لا يتناسب – في رأيهم – مع حجم الأعباء الفعلية، بينما تؤجل المستحقات والحوافز أو تُربط بشروط وإجراءات معقدة.

في المقابل، يعتبر كثيرون أن تحميل هذه المنافذ والمخابز ديونًا كبيرة بأثر رجعي، دون معالجة جذرية لاختلالات المنظومة نفسها، يهدد بانسحاب تدريجي لهذه الشريحة من الشركاء الصغار الذين تعتمد عليهم الدولة في توزيع الدعم الغذائي.

 

في النهاية، تكشف أزمة الدقيق والديون الحالية عن خلل هيكلي في العلاقة بين الوزارة وأصحاب المخابز والمنافذ التموينية؛ فهؤلاء الأخيرون ليسوا مجرد منفذين لتعليمات إدارية، بل هم جزء حيوي من منظومة الأمن الغذائي للملايين.

استمرار معاملتهم باعتبارهم «موضع شبهة» أو «جيبًا جاهزًا لسد العجز» في الحسابات الرسمية، مع تجاهل متطلباتهم الأساسية في تكلفة عادلة ومستحقات منتظمة، يعني أن منظومة الخبز المدعم والسلع التموينية ستبقى رهينة لأزمات متكررة، يدفع ثمنها في النهاية المواطن البسيط، الذي لا يملك بديلًا لرغيف الخبز المدعّم ولا لسلع بطاقته التموينية.