كمال أوزتورك

كاتب وصحفي تركي، مراسل الجزيرة في تركيا

 

دعونا أولا نحاول أن نفهم ما يجري، ثم نناقش ما تفكر به تركيا وما الذي يمكن أن تفعله إذا ما تعرضت إيران لهجوم محتمل. لقد تحدثت في هذا الشأن مع شخصيات مهمة.

 

ربما من أكثر المواضيع التي تربك قادة الدول الإسلامية هو كيف يتعين عليهم أن يتعاملوا مع الهجمات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة أو إسرائيل ضد إيران.

 

وهذا التردد له أسبابه التي تستحق التوقف عندها. وأهم هذه الأسباب هو الموقف الجيوسياسي الذي اتبعته إيران حتى اليوم، وسياساتها التوسعية العدائية.

 

فإيران، بين الحين والآخر، ارتكبت أفعالا تتنافى مع الواقعية السياسية، أو العقل، أو حتى مع أبسط مرتكزات العقل الإسلامي. وربما كان خطؤها الأكبر حينما جعلت من "الشيعية" رافعة لسياساتها التوسعية الإقليمية، وانحرفت عن الواقعية السياسية إلى مسار تيو-سياسي (ديني سياسي).

 

قال أحد قادة الحرس الثوري السابقين، متفاخرا: "إيران إمبراطورية بخمس عواصم". هذا التفاخر عديم المعنى لم يدم طويلا، إذ قتل في قصف أميركي-إسرائيلي.

 

والغريب أن من يفكرون بنفس طريقته لم يدركوا مقدار الانزعاج العميق الذي تسبب به هذا التصريح لدى جيران إيران والدول الإسلامية الشقيقة الأخرى. وهكذا، غرقت إيران في عزلة عميقة.

 

ولعلها المرة الأولى في تاريخها خلال الـ100 عام الأخيرة التي تدخل فيها إيران في صراع مباشر مع دولة غير إسلامية. إطلاقها الصواريخ باتجاه إسرائيل، وشنها هجمات عبر وكلائها، يشكلان على الأرجح الحالة الوحيدة من هذا النوع في تاريخها.

 

أما ما عدا ذلك، فقد دخلت إيران في حروب وصراعات وعمليات سرية- ألحقت الأذى بشعوب مسلمة- في سوريا، ولبنان، والعراق، وأفغانستان، وأذربيجان، وتركيا.

 

ولم تدرك أن الصدام مع جميع الجيران لا يمكن أن يجلب لها الطمأنينة. والآن، تنتقد إيران- بغضب- غياب الدعم والمساندة. لكنها تتجاهل حكمة المثل القائل: "من زرع حصد".

 

هل تعرف الولايات المتحدة وإسرائيل ما الذي تريدان فعله في إيران؟

 

كانت حرب الـ12 يوما تهدف إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية. ومع أن تلك الهجمات غير شرعية من حيث القانون، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل كان لديهما هدف وخطة آنذاك.

 

أما اليوم، فما هو هدفهما في إيران؟

 

ترامب يكرر القول: "قتل المتظاهرين هو خط أحمر. إذا تجاوزوه، سيدفعون ثمنا باهظا." أما نتنياهو، فيعلن أن الهدف هو تدمير الصواريخ التي استهدفت إسرائيل. وتتكرر كذلك الأحاديث عن أن كلا الطرفين يسعيان إلى "تغيير النظام" في إيران.

 

لكن كيف سيحققان ذلك؟ وهل يجهلان أن التحريض على الاحتجاجات في الشوارع، وزيادة عدد القتلى، وتعميق الفوضى، لن يسقط النظام الإيراني؟ حتى صحيفة نيويورك تايمز تؤكد في مقالاتها أن هذا المسار غير ممكن.

 

الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية مشغولة بمحاولة تسليح المكونات العرقية داخل إيران (كالأكراد والبلوش واللور والعرب)، وتحويل التظاهرات إلى أعمال عنف. لكن، ورغم ارتفاع عدد القتلى، لم يتمكنوا من خلق موجة سياسية قادرة على إسقاط النظام.

 

الهجمات الجوية، والقرصنة الإلكترونية، والعقوبات الاقتصادية، والاغتيالات، لن تؤدي إلا إلى زيادة الفوضى والعنف، دون أن تُحدث تغييرا جذريا في النظام. والسبب أن الأقليات المذكورة لا تملك عددا بشريا كافيا، ولا قوة سياسية تمكنها من تشكيل بديل لحكم المرشد الأعلى خامنئي.

 

أما التيار المعارض الأقوى- المعروف بـ"الإصلاحيين"، كأمثال خاتمي، روحاني، موسوي- فلا يمكن أن يقبل بإسقاط خامنئي بأيادٍ أميركية أو إسرائيلية؛ فهم أنفسهم ضد الإمبريالية الأميركية-الإسرائيلية.

 

فإيران ليست فنزويلا، التي استطاعت فيها الولايات المتحدة اعتقال نيكولاس مادورو وتنصيب نائبته كزعيم تابع. فالمجتمع الإيراني وبنيته السوسيولوجية يرفضان هذا النوع من التدخل. أما نجل الشاه، الذي تراهن عليه واشنطن، فهو شخصية بلا تأثير يذكر، ولا يحظى حتى داخل الأوساط العلمانية الإيرانية باحترام أو مكانة.

 

لذا، فإن أي عملية عسكرية أميركية-إسرائيلية لن تنتج سوى الفوضى والاضطراب، ولن تستطيع إلا شل الدولة الإيرانية، وربما إشعال حرب أهلية. وهم يعلمون ذلك، ولهذا يطلقون رسائل ملتبسة.

 

وأضيف هنا ملاحظة أخيرة: الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو السيطرة على النفط الإيراني، تماما كما فعلت في فنزويلا. النظام لا يعنيها كثيرا. هي تسعى إلى قطع خط نفط آخر عن الصين، لكنها لا تعرف كيف تفعل ذلك.

 

ما الآثار المحتملة للهجوم على إيران؟

 

من المستبعد أن تنفذ الولايات المتحدة أو إسرائيل عملية برية، لذا فإن هجوما جويا مكثفا هو السيناريو المرجح. وتشير التقديرات إلى أن هذا الهجوم سيستهدف المنشآت العسكرية ومراكز الدعم اللوجيستي. وإن تجاوزنا عدم وضوح التفاصيل، فمن المحتمل أن هذه الضربات ستضعف القدرات العسكرية الإيرانية.

 

لكن، ماذا لو تم ضرب خطوط الطاقة، والموانئ الجوية والبحرية، والمصانع الحيوية؟ عندها، قد تلجأ بعض المجموعات العرقية المسلحة إلى مهاجمة عناصر الأمن وحرق المباني العامة. وسيرد النظام الإيراني عبر مليشيا "البسيج"، المنتشرة في الأحياء، فتتحول البلاد إلى ساحة حرب أهلية.

 

الشرائح الرئيسية التي تكون المجتمع الإيراني هي الفرس والأتراك. ومن غير المتوقع أن تنخرط هذه الفئات في الصراع أو تشارك في إسقاط النظام.

 

وبالتالي، فإن المجموعات العرقية الأقلية- كالبلوش والأكراد واللور والعرب- هي من ستدخل في أتون هذا الصراع، ما سيشعل موجة هجرة جماعية هائلة. وستكون تركيا، وأفغانستان، وباكستان، والعراق أكثر الدول تأثرا بهذه الموجة، ما سيتسبب باضطراب داخلي كبير في هذه الدول.

 

وإذا امتد الصراع إلى الخليج العربي ومناطق إنتاج النفط، فستشهد الأسواق أزمة نفط عالمية. أضف إلى ذلك تعثر التجارة الإقليمية، وركود وسائل النقل، وشلل الحياة الاجتماعية.

 

تركيا تعارض الهجوم على إيران

 

تركيا سبق أن عانت من موجة لجوء ضخمة بسبب الحرب الأهلية في سوريا، وقد واجهت أزمة كبرى بسبب ذلك، كانت لها آثار اقتصادية واجتماعية عميقة. وهي اليوم لا تستطيع تحمل موجة جديدة مماثلة. كما أن اندلاع حرب أهلية في إيران، التي يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، سيكون أكثر تدميرا من الحرب السورية. وستنشأ دوامة عنيفة تشمل معظم دول المنطقة.

 

لذلك، تعارض تركيا الهجوم الأميركي-الإسرائيلي من حيث المبدأ، وهي ترى فيه انتهاكا للقانون الدولي، وخطرا يهدد الاستقرار على حدودها الطويلة مع إيران.

 

لكن تركيا وهي تمارس دبلوماسية حذرة، لا تريد لإيران أن تستمر بسياساتها التوسعية كما في السابق، ولا تريد أن تنفذ إسرائيل ما تشتهيه.

 

وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، يقود حاليا جهودا دبلوماسية مكثفة في الملف الإيراني، ويجري اتصالات مع كل من الولايات المتحدة، وإيران. وهناك رسائل متبادلة، لعبت تركيا في بعضها دور الوسيط.

 

وكما أخبرتني مصادر دبلوماسية تركية مطلعة، فقد قدمت الولايات المتحدة أربعة مطالب تنص على أنه: يجب على إيران وقف برنامجها النووي، وتسليم اليورانيوم الذي تم تخصيبه، وتدمير الصواريخ الباليستية التي تمتلك مدى قادرا على ضرب إسرائيل، وألا تشكل تهديدا في المنطقة عبر أذرعها الإقليمية.

 

وقالت المصادر إن هذه المطالب تعكس في الغالب رغبات إسرائيلية؛ وأكدت أن الولايات المتحدة لم تنقل أي مطالب تتعلق بتغيير النظام في إيران أو الاحتجاجات الداخلية. وقد تم إبلاغ كبار المسؤولين الإيرانيين بهذه المطالب.

 

كيف يمكن حل الأزمة؟

 

تركيا تعارض أي عملية عسكرية ضد إيران وتصر على حل النزاع بين الولايات المتحدة- إسرائيل وإيران عبر المفاوضات، كما تعارض بحسم أي تقسيم لإيران؛ لأن حالة عدم الاستقرار التي قد تنشأ لن تقتصر على إيران فحسب، بل ستتسبب في فوضى عميقة في المنطقة بأسرها.

 

وتعتقد أن أي هجمات جديدة بتحريض من إسرائيل- لا سيما تلك التي تبرر بدعوى دعم الاحتجاجات- ستقود إلى أزمة أعمق وأوسع وإلى حالة من الغموض لا حل لها. نقل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا الموقف إلى نظرائه في جميع الدول المعنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، كما أعلن ذلك للرأي العام.

 

لقد رأينا كيف شلت المنطقة بعد حرب الأيام الـ12، وكيف غرقت في حالة من اللايقين وغياب الاستقرار. ولذا فإن أي مشاكل تتعلق بالشعب الإيراني ظهرت عبر الاحتجاجات، يجب حلها عبر الديناميكيات الداخلية. وتركيا مستعدة دائما للعب دور الميسر لحل الأزمة عبر التفاوض.

 

يمكن للأزمة الحالية أن تكون عابرة إذا استطاع المسؤولون في إيران التعامل مع الشارع الداخلي بالمرونة والإيجابية اللازمتين، وقدموا إصلاحات حقيقية. وعندها حتى لو لم تكن الولايات المتحدة وإسرائيل راضيتين، فإنهما لن تجرؤا على شن هجوم على إيران، خاصة إذا كانت كل دول الجوار ترفض ذلك بشدة.