أعادت رسالة المحامي والإعلامي خالد أبو بكر إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ملف الحكومة إلى صدارة النقاش العام، في توقيت تتصاعد فيه الدعوات لإجراء تغيير حكومي على وقع أزمة اقتصادية خانقة. أبو بكر طالب صراحة ببقاء مدبولي لعامين إضافيين، معتبرًا أن حكومته “تحملت عبئًا ثقيلًا” في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وأن هذا البرنامج حقق – برأيه – نتائج إيجابية على صعيد الأرقام والمؤشرات، حتى لو لم يشعر بها المواطن بعد.

 

في المقابل، يعيش الشارع تحت وطأة تضخم غير مسبوق، وغلاء في الأسعار، وتآكل مستمر في الدخول، ما يثير سؤالًا ملحًا: إذا كان أداء الحكومة يوصف على نطاق واسع بالفشل، فلماذا يواصل النظام تلميع رئيسها بدلاً من محاسبته أو تغييره؟

 

حملة تلميع منسقة لرئيس حكومة مأزومة

 

رسالة أبو بكر لم تأتِ في فراغ؛ فقد تزامنت مع موجة إعلامية واسعة ركّزت على “أخلاقيات” مدبولي، وتصويره كمسؤول متواضع يمل ليل نهار في صمت، مع استدعاء لغة إنسانية عن بساطة حياته وحرصه على المصلحة العامة. كثير من البرامج والصحف قدّمت الرجل كـ“جندي مجهول” يتحمل اللوم بينما يجني الآخرون الثمار.

هذا الخطاب الإعلامي بدا منفصلًا تمامًا عن المزاج الشعبي، ومتجاهلًا لحجم الغضب من تدهور الأوضاع المعيشية. مراقبون ربطوا بين هذه الحملة وبين تصاعد الأحاديث في الكواليس السياسية والإعلامية عن احتمال إقالة الحكومة أو تغيير رئيسها مع بداية عمل مجلس النواب الجديد، الذي يملك نظريًا حق منح أو حجب الثقة عن الحكومة.

 

من هنا تُقرأ حملة التلميع كرسالة مزدوجة: أولًا، تهيئة الرأي العام لاحتمال استمرار الحكومة أطول فترة ممكنة رغم الفشل؛ وثانيًا، توجيه الأنظار بعيدًا عن المسؤول الأول عن السياسات الاقتصادية، أي رأس النظام نفسه، عبر تحويل الجدل إلى شخص رئيس الوزراء وأخلاقه بدل مناقشة الخيارات الاقتصادية الكارثية التي فُرضت على المصريين.


 

حصيلة خمس سنوات: ديون متضخمة وواقع أشد قسوة

 

على الجانب الآخر، جاءت انتقادات الكاتب الصحفي مجدي الجلاد لتكشف الفجوة بين الصورة الرسمية والواقع على الأرض. الجلاد وصف أداء حكومات مدبولي بالفاشل، مؤكدًا أن الحكومة لم تقدم حلولًا حقيقية للأزمات المتراكمة، وأن اعتمادها المستمر على القروض في ظل ضعف الإنتاج والتصدير يكشف غياب رؤية اقتصادية واضحة.

 

منذ تولي مدبولي رئاسة الحكومة عام 2018، تضاعف الدين الخارجي والداخلي، وتراجعت قيمة الجنيه أكثر من مرة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني، بينما ظل الحد الأدنى للأجور ومعاشات الضمان متخلفًا عن موجات الغلاء. ورغم حديث الحكومة المتكرر عن “نجاح برنامج الإصلاح” و“تجاوز عنق الزجاجة”، فإن المواطن البسيط لم يلمس إلا مزيدًا من الضرائب والرسوم ورفع الدعم وتقليص الخدمات.

 

سياسيون ومحللون اقتصاديون يشيرون إلى مفارقة لافتة: الحكومة تتباهى بمؤشرات كلية مثل ارتفاع الاحتياطي الأجنبي أو زيادة بعض التدفقات الاستثمارية، لكنها تتجاهل أن هذه المؤشرات جاءت على حساب بيع أصول الدولة والتوسع في الديون قصيرة الأجل، ما يجعل أي تحسن رقمي هشًّا وقابلًا للانهيار عند أول صدمة، كما حدث مرارًا مع كل تعويم جديد للجنيه.

 

في هذا السياق، يرى نواب سابقون ومحللون سياسيون أن المشكلة لم تعد في شخص مدبولي وحده، بل في النهج الاقتصادي القائم على الاقتراض والإنفاق على مشروعات ضخمة غير منتجة في الأجل القصير، مع تجاهل الأولويات الاجتماعية، وهو نهج تبنته مؤسسات الدولة كافة، ولا تملك حكومة مدبولي إلا تنفيذه والدفاع عنه.

 

لماذا يفضّل النظام الإبقاء على مدبولي الآن؟

 

رغم الانتقادات الحادة، يصر جزء من النخبة المقرّبة من السلطة على الدفاع عن رئيس الوزراء، بل والدعوة إلى منحه “فرصة جديدة” كما فعل خالد أبو بكر. هذه الدعوة تكشف عن منطق سياسي أعمق من مجرد تقييم أداء رجل واحد.

 

أولًا، يُعدّ مدبولي بالنسبة للنظام “وجهًا مدنيًا” يمكن تسويقه داخليًا وخارجيًا في ظل هيمنة الطابع العسكري على مفاصل الدولة. إقالته في ذروة الأزمة قد تُقرأ كاعتراف بفشل شامل، وهو ما تحاول السلطة تجنبه عبر الإيحاء بأن المشكلة في الظروف لا في السياسات.

 

ثانيًا، يتيح بقاء الحكومة الحالية للنظام استخدام رئيس الوزراء كـ“درع امتصاص للغضب”، بحيث تُحمّل له مسؤولية القرارات القاسية من رفع أسعار وضرائب ورسوم، بينما يظل رأس السلطة فوق دائرة الاتهام المباشر. كلما اشتد الضغط يمكن تقديم بعض الوزراء كقرابين، مع الإبقاء على مدبولي رمزًا للاستمرارية.

 

ثالثًا، يخشى النظام من أن يؤدي تغيير الحكومة الآن إلى فتح شهية البرلمان –حتى ولو كان مواليًا– للمطالبة بدور أوسع في مناقشة السياسات الاقتصادية، أو لإلقاء جزء من المسؤولية على مؤسسة الرئاسة نفسها، وهو ما لا يبدو أن السيسي يرغب في السماح به.

 

أخيرًا، يقرأ بعض المراقبين حملة التلميع بوصفها تمهيدًا لتغيير شكلي مؤجل: الحفاظ على مدبولي مرحليًا لتمرير قرارات أكثر قسوة بدعوى “استكمال المسار”، ثم التضحية به في لحظة لاحقة لتسويق فكرة “تصحيح المسار” عبر حكومة جديدة لا تغيّر شيئًا في جوهر السياسات.

 

في المحصلة، يعكس الإصرار على تلميع مصطفى مدبولي بعد أداء اقتصادي مخيب منطق نظام لا يرى في الحكومة أداة للمحاسبة وتحسين حياة الناس، بل جزءًا من شبكة حكم تحتاج إلى واجهة تتحمل اللوم وتمنح الوقت لاستمرار نفس النهج. وبينما يستمر الجدل حول بقاء أو رحيل رئيس الوزراء، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة: متى يُسأل صانع القرار الحقيقي عن كوارث اقتصادية يدفع ثمنها المواطن كل يوم؟