تناول أيمن محمد الصوفي ووسام محمد إبراهيم قضية سدّ النهضة من زاوية تحليل الخطاب النقدي، وكشفا كيف أسهمت التغطية الإخبارية في مصر وإثيوبيا في إنتاج خطاب استقطابي حاد، تجاوز نقل الوقائع إلى بناء سرديات متعارضة تعكس مواقف سياسية وأيديولوجية متباينة. ركّز الباحثان على اللغة بوصفها أداة فاعلة في تشكيل الوعي العام، لا مجرد وسيط محايد لنقل الأخبار، خاصة في القضايا المرتبطة بالنزاعات الإقليمية.


نُشر البحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الفيوم (مجلة اللغويات والثقافات المقارنة)، واعتمد على تحليل مواد إخبارية مكتوبة باللغة الإنجليزية، صادرة عن صحف إلكترونية مصرية وإثيوبية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2020، وهي مرحلة شهدت تصعيدًا سياسيًا وإعلاميًا متكررًا حول السد. اختار الباحثان ثلاثة أحداث مفصلية مثّلت نقاط توتر رئيسية: تحويل مجرى النيل الأزرق، توقيع إعلان المبادئ، وبداية الملء الأول لخزان السد.


انطلق التحليل من نموذج «المربع الأيديولوجي» لفان دايك، الذي يفسّر الاستقطاب عبر إبراز الذات بصورة إيجابية، مقابل تحميل الطرف الآخر صفات سلبية، مع إخفاء ما يناقض هذه الصورة. أتاح هذا الإطار رصد الكيفية التي انتقت بها الأخبار مفرداتها، وحددت فواعلها، وأسندت المسؤولية داخل سردية الصراع.


خطاب الإعلام المصري: تحميل المسؤولية للطرف الآخر


أظهر التحليل أن التغطية الإخبارية المصرية اعتمدت خطابًا يركّز على إدانة السلوك الإثيوبي، ويقدّمه بوصفه مصدر الأزمة الأساسي. صاغت الأخبار سردية تُبرز إثيوبيا كفاعل يتجاوز القوانين الدولية، ويتجاهل الاتفاقات الموقّعة، ويتصرّف بشكل أحادي في قضية ذات أبعاد إقليمية حساسة.


ربط الخطاب الإعلامي بين خطوات بناء السد وملئه وبين انتهاك الاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام مياه النيل، وكرّس لغة تُسند الفعل والمسؤولية مباشرة إلى الطرف الإثيوبي. استخدمت التغطية أفعالًا دالة على الخرق والتعدي والانفراد بالقرار، ما عزز صورة إثيوبيا كجهة غير ملتزمة بالقواعد الناظمة للعلاقات الدولية.


في سياق المفاوضات، ركّزت الأخبار على تصوير الجانب الإثيوبي بوصفه معرقلًا لمسار التفاوض، ورافضًا للمقترحات المطروحة. دعمت اللغة الصحفية هذا التصوير عبر أوصاف ذات حمولة سلبية، قدّمت الموقف الإثيوبي باعتباره متصلبًا وغير قابل للتسوية، وأسهمت في ترسيخ ثنائية الطرف المتعاون مقابل الطرف الرافض.


كما حضرت في التغطية إشارات متكررة إلى ما هو مراوغة سياسية، حيث شكّكت الأخبار في صدق التصريحات الإثيوبية، وربطت بين الخطاب الرسمي والمناورة الإعلامية. قدّمت بعض التقارير الوعود الإثيوبية بوصفها متكررة بلا نتائج، ما أسهم في بناء صورة طرف يفتقر إلى الموثوقية، ويستخدم الخطاب الدبلوماسي كأداة لكسب الوقت.


عزز هذا الخطاب حالة الاستقطاب عبر آليات لغوية دقيقة، شملت اختيار أفعال الإسناد، وتكثيف الصفات السلبية، وتوظيف التاريخ بشكل انتقائي لخدمة سردية الإدانة، دون السعي إلى تقديم قراءة متعددة الزوايا للأحداث.

 

خطاب الإعلام الإثيوبي: نزع الشرعية عن الموقف المصري

 

في المقابل، كشف التحليل أن الإعلام الإثيوبي بنى خطابًا مضادًا، قدّم فيه مصر بوصفها الطرف الذي يسعى إلى عرقلة التنمية، ويفرض ضغوطًا سياسية للحفاظ على وضع مائي غير متكافئ. أعادت الأخبار الإثيوبية تعريف الصراع ضمن إطار أوسع، يربط بين السد وحق إثيوبيا في استثمار مواردها الطبيعية.


صاغت التغطية الإثيوبية سردية ترى في الموقف المصري محاولة لمنع إثيوبيا من تحقيق التنمية الاقتصادية، واستخدمت لغة تُبرز أفعال المنع والعرقلة. لجأت الأخبار إلى استدعاء تاريخ العلاقات المائية، وقدّمت الاعتراضات المصرية بوصفها امتدادًا لسياسات قديمة هدفت إلى تقييد دول المنبع.


اتهم الخطاب الإعلامي الإثيوبي مصر بممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية عبر تدويل الأزمة، والسعي إلى حشد أطراف خارجية للضغط على أديس أبابا. ظهرت هذه الاتهامات في صياغات لغوية تُسند الفعل إلى مصر كفاعل نشط في تعطيل التفاوض، وتقدّم التحركات السياسية باعتبارها أدوات ضغط لا مساعي حل.


كما وجّهت بعض التقارير نقدًا مباشرًا للإعلام المصري، واتهمته بتضليل الرأي العام وتضخيم المخاوف. استخدمت الأخبار الإثيوبية أوصافًا تقويمية سلبية، وقدّمت الخطاب الإعلامي المصري بوصفه منحازًا ومشحونًا، ما أسهم في تعميق الاستقطاب الإعلامي المتبادل، وتحويل الخلاف السياسي إلى صراع سرديات.


الإعلام طرف في النزاع

 

تخلص الدراسة إلى أن التغطية الإخبارية لقضية سدّ النهضة في مصر وإثيوبيا تجاوزت دورها الإخباري، وأصبحت فاعلًا أساسيًا في إنتاج الصراع رمزيًا. أسهمت اللغة المستخدمة في الأخبار في ترسيخ ثنائية «نحن وهم»، وعملت على شرعنة مواقف كل طرف عبر نزع الشرعية عن الآخر.


أظهر تطبيق نموذج المربع الأيديولوجي لفان دايك فاعلية واضحة في تفسير أنماط الاستقطاب، سواء عبر اختيار المفردات، أو تحديد الفاعلين، أو توزيع المسؤولية، أو توظيف التاريخ والشرعية القانونية. كشفت النتائج أن الإعلام، في الحالتين، لم يعكس الصراع فقط، بل شارك في تعميقه، عبر خطاب يُعيد إنتاج الانقسام ويحدّ من إمكانات التهدئة.

 

https://www.researchgate.net/publication/399680535_A_Critical_Discourse_Analysis_of_Polarization_in_Egyptian_and_Ethiopian_News_Reporting_on_the_Grand_Ethiopian_Renaissance_Dam