في صفعة حقوقية جديدة للنظام المصري، وجّه أربعة من خبراء مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة مذكرة مشتركة إلى الحكومة في القاهرة، أعربوا فيها عن «قلق بالغ» إزاء ما وصفوه بـالتصاعد الواسع في أنماط الاعتقال التعسفي والترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، خصوصًا الفارّين من جحيم الحرب في السودان.

 

المذكرة، المبنية على تقريرين للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومنصة اللاجئين في مصر، لا تكتفي بوصف الانتهاكات، بل توثّق بأرقام صادمة: زيادة بنسبة 121% في اعتقال المسجلين لدى المفوضية بين 2024 و2025، وترحيل قسري يُقدَّر بما بين 10 آلاف و22 ألف سوداني في عام 2024 وحده. ورغم منح القاهرة مهلة 60 يومًا للرد، نُشرت المذكرة بعد انتهاء المهلة دون إيضاحات كافية من السلطات المصرية.

 

اعتقالات مبنية على اللون وترحيل جماعي يضرب جوهر الحماية الدولية

 

المذكرة الأممية ترسم صورة قاتمة لواقع اللاجئين في مصر، لا سيما السودانيين الفارّين من النزاع المسلح. فبدلاً من معاملتهم كضحايا حرب يستحقون الحماية، تُعاملهم السلطات كـ"تهديد أمني" يجب إزالته.

 

وفقًا للمذكرة، ارتفعت حالات اعتقال المسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بنسبة 121% بين 2024 و2025، مع تقديرات مرعبة بترحيل ما بين 10 آلاف و22 ألف سوداني قسرًا خلال عام 2024 فقط.

الأخطر أن هذه الممارسات لم تستثنِ حتى من يحملون أوراق تسجيل رسمية، حيث رُصدت حالات مصادرة أوراق المفوضية لتسهيل عملية الترحيل.

 

الناشط الحقوقي نور خليل، مدير منصة اللاجئين في مصر، يؤكد أن الأرقام الواردة في المذكرة «لا تعكس الواقع الفعلي»، ويصف الوضع بأنه «أبعد بمراحل كبيرة» مما ظهر في الوثائق الأممية.

يشير خليل إلى أن لدى المفوضية سجلات بآلاف الحالات التي تعرضت للتوقيف والترحيل وهم في طور التسجيل أو انتظار الحصول على الحماية، ما يعني أن الدولة تضرب بمنظومة الحماية الدولية عرض الحائط.

 

ويكشف خليل عن جانب شديد العنصرية في الممارسة اليومية: التوقيفات في الكمائن الأمنية تعتمد على لون البشرة؛ إذ يتم استهداف أصحاب البشرة السمراء وتوقيفهم حتى لو كانت أوراقهم سليمة، بذريعة "التحقق الأمني" ومنع تسلّل عناصر مطلوبة. هذا النمط من الاستهداف القائم على العِرق واللون، كما يشدد خليل، يتناقض صراحةً مع روح اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئ، التي وقّعت عليها مصر وتُعد جزءًا من قانونها المحلي.

 

قانون لجوء 2024 وتجميد التأشيرات: مقاربة أمنية تدهس مبدأ عدم الإعادة القسرية

 

المذكرة الأممية لا تنتقد فقط ممارسات الأجهزة الأمنية، بل تطعن في الإطار القانوني نفسه الذي أقرته الدولة. فقد حذّر الخبراء من أن قانون لجوء الأجانب الصادر عام 2024 يتعارض في بعض مواده مع التزامات مصر الدولية في مجال حماية اللاجئين، ويُسهّل عمليًا سياسات الترحيل بدلًا من أن يضمن الحماية.

 

وإلى جانب ذلك، انتقد الخبراء قرار تجميد طلبات التأشيرات للسودانيين منذ مايو 2024، ما دفع الآلاف للدخول بشكل غير نظامي عبر الحدود، ليجدوا أنفسهم لاحقًا ملاحقين باعتبارهم "مخالفين" بدلًا من الاعتراف بأن النظام نفسه أغلق أمامهم الباب القانوني.

 

هذا المسار، بحسب المذكرة، يكرّس نمطًا من الترحيل الجماعي دون إجراء تقييم فردي للحالات، وهو ما يمثل انتهاكًا مباشرًا وخطيرًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-Refoulement)، المُلزم لمصر بموجب الاتفاقيات الدولية، والذي يمنع إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو العنف أو الموت.

 

المقرّرون الأربعة – المعنيون بالاتجار بالبشر، وحقوق الإنسان للمهاجرين، والحماية من العنف والتمييز، والتمييز ضد النساء والفتيات – حذّروا من مخاطر مضاعفة على الأطفال والنساء والفئات الأضعف؛ من الاحتجاز والفصل عن ذويهم، إلى الحرمان من التعليم والخدمات الأساسية.

 

نور خليل يلفت إلى وجود حالات ترحيل طالت أطفالًا وآباء مسؤولين عن رعاية أطفال، في خرق واضح للاتفاقيات الدولية التي تُلزم الدولة بمراعاة "مصلحة الطفل الفضلى" قبل أي إجراء.

 

المذكرة، كما يوضح خليل، هي نتاج مسار حقوقي وقانوني بدأ في أكتوبر الماضي، بعد تقديم ملفات موثقة للخبراء الأمميين حول الانتهاكات. وبعد انقضاء مهلة الـ60 يومًا دون رد مُرضٍ من الحكومة، نُشرت المذكرة لتدق ناقوس الخطر حول سياسة ترى في اللاجئ "ملفًا أمنيًا" لا "إنسانًا فارًّا من الحرب".

 

أرقام اللاجئين تكشف الفجوة بين خطاب "الاستضافة" وواقع المطاردة

 

بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف مصر أكثر من 914 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين من 61 جنسية، تتصدرهم الجنسية السودانية منذ أكتوبر 2023، تليها السورية، ثم جنسيات من جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا واليمن والصومال والعراق.

 

هذه الأرقام غالبًا ما تستخدمها السلطات في خطابها الرسمي للإيحاء بأن مصر "تتحمل عبئًا كبيرًا" عن المجتمع الدولي، وتتبنى خطاب "الدولة المضيفة الكريمة". لكن المذكرة الأممية تكشف الوجه الآخر: استضافة على الورق، ومطاردة وترحيل في الواقع.

 

نور خليل يلخّص جذور المشكلة في جملة واحدة: السلطات المصرية تتعامل مع ملف النزوح من منظور أمني صرف، لا إنساني.

 

فالدخول غير النظامي يُعامَل كجريمة تلقائيًا، دون النظر إلى ظروف الحرب في السودان أو خطر الإعادة إلى مناطق الصراع.

غياب أي رؤية إنسانية أو حماية حقيقية للفئات المستضعفة، من الأطفال إلى النساء إلى المرضى، يحوّل مصر من دولة يفترض أن تكون "ملاذًا مؤقتًا" إلى محطة جديدة للخوف والترحيل.

 

في ظل هذه الصورة، تبدو المذكرة الأممية أكثر من مجرد وثيقة؛ إنها لائحة اتهام لسياسة رسمية تتجاهل التزامات مصر الدولية، وتدوس على مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتستبدل القانون الدولي بـ"لون البشرة" و"منطق الكمائن".

 

وما لم تُقدِم السلطات المصرية على مراجعة جذرية لهذه السياسات – قانونًا وممارسة – فإن ملف اللاجئين لن يبقى أزمة إنسانية فحسب، بل سيتحول إلى فضيحة سياسية وحقوقية مفتوحة على مستوى العالم.