كلاهما هشام، لكن شتان بين هشام وهشام، فالفرق بينهما كما بين الأرض والسماء؛ فالأول دفع ثمن اقتحامه عش الدباير، وتجرأ في الحديث عن منظومة الفساد في مصر، ولو أنه صمت لكان الآن يجلس مكان وريثه في رئاسة مجلس النواب. 

 

كان اختيار هشام بدوي، المحامي العام الأسبق لنيابات أمن الدولة العليا لرئاسة البرلمان صادمًا لكثير من المراقبين، وهو الرجل الذي اشتهر اسمه وذاع صيته، كأحد أبرز الجلادين الذين استخدمهم نظام حسني مبارك للتنكيل بالإسلاميين، والزج بهم في السجون لسنوات إرضاءً لمن اختاره، ونزولاً على رغبة من أبقى عليه في منصبه لمدة 20 عامًا.

 

هشام بدوي.. العصا الغليظة 

 

فقد ارتبط بدوي في العقلية الجمعية للمعارضين والإسلاميين، بكونه العصا الغليظة التي كان من خلالها يتم الزج بمعارضي النظام في السجون، بعد تحقيقات عبثية في كثير من تفاصيلها، وإحالات إلى المحاكمات كانت مثارًا للانتقادات، إذ كيف لرجل أمضى عقدين من حياته يمارس هذه الوظيفة التي تبرهن على جوره وظلمه، أن يؤتمن على قيادة المجلس الذي يسن التشريعات والقوانين، ويراقب أداء الحكومة، وهو الذي كان ولا زال ركنًا أصيلاً من أركان الأنظمة القمعية على مدار عقود.

 

لقد عمد بدوي بينما كان يعرّف نفسه أعضاء مجلس النواب أثناء ترشحه لرئاسة البرلمان، إلى محاولة إخفاء تاريخه الأسود، بينما كان يتحدث عن عمله في سلك القضاء، دون أن يأتي على ذكر عمله الطويل في نيابة أمن الدولة العليا سيئة السمعة والصيت، وكأنه ما من أحد يعرف تاريخه، ويجهل بطشه وجبرته.

 

كان اختيار بدوي ضمن قائمة النواب المعينين بمجلس النواب، ومن ثم الدفع به إلى رئاسة البرلمان في رأي كثير أفضل مكافأة يمكن أن يحصل عليها بعد سنوات شغل خلالها رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات، دون أن يشهد عهده أيًا من قضايا الفساد في مفاصل وأركان الدولة، على الرغم من رائحة الفساد التي تزكم الأنوف. 

 

التنكيب بهشام جنينة 

 

اختار بدوي الصمت، وغض الطرف عن الفساد، لقد أدرك مبكرًا أن هذا ليس المطلوب منه، ولا هذا الهدف من اختياره لهذا المنصب الرقابي الحساس، وقد نال سلفه المستشار هشام جنينه ما نال من أذى وتنكيل بلغ حد دفع بلطجية إلى التعدي عليه بالضرب وسحله في الشارع، لمجرد أنه تحدث عن الفساد.

 

فقد كان جنينة، أحد رموز تيار الاستقلال الذي عرف بتصديه لمحاولات نظام مبارك تزوير الانتخابات، ومحاولة النيل من استقلالية القضاء، ولم يخف كما غيره من رموز هذا التيار في أوج قوة الدولة القمعية، مما أكسبه وزملاءه احترامًا كبيرًا بين عموم الشعب المصري، الذي وجده فيهم الأمل، وأن القضاء لا زال بخير، رغم ما يفعله النظام. 

 

لم يكن جنينة ينتمي إلى أي فصيل سياسي، بل كان موقفه في الأساس نابعًا من ضميره الوطني وانحيازه إلى العدالة في المطلق، لكنه القاضي المخضرم لم يكن يعرف أنه يعيش في زمن غير الزمن، وأن مبارك على قسوة نظامه، كان أهون بكثير من نظام عبدالفتاح السيسي الذي أوغل في الدماء، وارتكب من الجرائم ما يعجز القلم عن حصره. 

 

حجم الفساد 

 

كانت تصريحات جنينة عن حجم الفساد في المؤسسات والأجهزة الحكومية في عام 2015، والذي قدره بـ 600 مليار جنيه بمثابة قنبلة مدوية تناثرت شظاياها على الفور في جسد النظام، وجعلته يتخلص منه سريعًا بعد أن شكل لجنة تقصي حقائق انتهت إلى عدم صدقية الأرقام المذكورة.

 

ولم يكتف بذلك بل تم إحالته إلى نيابة أمن الدولة العليا، بزعم أنها تلقت مستندات وبلاغات من موظفين عاملين في الجهاز المركزي للمحاسبات ضده تتهمه باختلاس أوراق ومستندات خاصة بالجهاز، والاحتفاظ بها دون وجه حق، مستغلا منصبه كرئيس للجهاز.

 

وعندما كان جنينة في طريقه إلى المحكمة للطعن على قرار إعفائه من منصبه، تعرض للاعتداء بسلاح أبيض من جانب بعض البلطجية بالقرب من منزله في التجمع الخامس، حيث أصيب بجروح في الوجه والرأس، إضافة إلى كسر في القدم.

 

ووقع الاعتداء بعدما كشف جنينة في حوار صحفي عن امتلاك رئيس الأركان الأسبق للجيش المصري الفريق سامي عنان وثائق تدين الكثير من قادة الحكم الحاليين في مصر بشأن ما وقع فيها من أحداث عقب ثورة 25 يناير 2011.

 

وإمعانًا في التنكيل به، تم اعتقاله وأحيل إلى القضاء العسكري الذي قضى بحبسه 5 سنوات، بدعوى نشره أخبارًا كاذبة والإضرار بأمن مصر واستقرارها.

 

كان هذا جزاء الرجل، وهو الذي عرف بطهارة اليد، ونزاهته عبر تاريخه الطويل في القضاء، لكن كان يجب أن يتم تخويف من يحذو حذو، أو يتقلد خطاه، ويتجرأ على دخول عش الدبابير، أو يتحدث من قريب أو بعيد عن الفساد المنتشر في أوصال النظام.