دخلت مصر مرحلة جديدة في تعاملها مع الحرب الأهلية السودانية بعد سقوط الفاشر، وهو تطور كشف هشاشة سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي انتهجتها القاهرة لنحو ألف يوم. في هذا السياق، يوضح الكاتب الفضل إبراهيم في مستهل التحليل أن القاهرة انتقلت من المراقبة الحذرة إلى خطاب أكثر حدّة، عبّرت عنه رئاسة الجمهورية المصرية بإعلان أربع «خطوط حمراء» تتعلق بوحدة السودان، ورفض الكيانات الموازية، وحماية مؤسسات الدولة، ومنع أي سيناريو للانفصال.

 

قدم العربي الجديد قراءة معمّقة في خلفيات هذا التحول المصري وتداعياته الإقليمية، خاصة في ظل تراجع الجيش السوداني وتقدّم قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان.

 

من الصبر الاستراتيجي إلى الإنذار السياسي

 

فرضت التطورات الميدانية على القاهرة مراجعة حساباتها. جاء سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 ليمنح قوات الدعم السريع تفوقاً واضحاً في دارفور، ويفتح الطريق أمام تمددها نحو كردفان، القلب الجغرافي للصراع. عندها، رسمت القاهرة خطوطها الحمراء، ولوّحت باتفاقية الدفاع المشترك الموقعة مع الخرطوم عام 1976، في إشارة حملت بعداً عسكرياً محتملاً، حتى وإن ظل في إطار التحذير السياسي.

 

استحضرت الذاكرة الإقليمية تجربة ليبيا عام 2020، عندما أعلنت مصر خط سرت–الجفرة خطاً فاصلاً ومنعت تجاوزه. غير أن الواقع السوداني بدا أكثر تعقيداً، بلا حدود واضحة يمكن الدفاع عنها، وبموازين قوى إقليمية أقل ملاءمة للموقف المصري.

 

مكاسب اقتصادية مقابل مخاطر استراتيجية

 

رأى بعض المراقبين أن القاهرة استفادت اقتصادياً من فوضى السودان. ألغت مصر الرسوم الجمركية على واردات الذهب في مايو 2023، فتدفقت كميات هائلة من المعدن الأصفر، ما عزز احتياطاتها وساعد في دعم الجنيه المصري عبر إعادة تصدير الذهب إلى أسواق عالمية. لكن هذا «العائد السريع» لا يلغي المخاطر بعيدة المدى.

 

يحذّر محللون مصريون من قيام «دولة ميليشيا» على الحدود الجنوبية، معتبرين أن تهديد الأمن القومي يفوق أي مكاسب اقتصادية ظرفية. ويستعيدون تحذيرات سابقة وُجّهت إلى القيادة السودانية بشأن صعود قوات الدعم السريع وبناء «دولة داخل الدولة».

 

صراع إقليمي وخيارات صعبة

 

تعقّد المشهد أكثر مع دخول الإمارات طرفاً داعماً لقوات الدعم السريع، وفق اتهامات متكررة، ما وضع القاهرة في مواجهة غير مباشرة مع حليف تقليدي. في المقابل، رفعت مصر مستوى دعمها السياسي للجيش السوداني، ووصفتْه بأنه جوهر مؤسسات الدولة السودانية التي لا تقبل انهيارها.

 

زاد التوتر مع اتهامات متبادلة، وتصريحات حادة من قادة الدعم السريع، وصلت إلى حد التلويح باستهداف مطارات دول مجاورة. ومع تراجع دور الوساطة الإقليمية، بدا أن «الرباعية» التي ضمت مصر والإمارات والسعودية والولايات المتحدة فقدت فعاليتها.

 

يرى التحليل أن القاهرة تميل حالياً إلى أدوات غير مباشرة: دعم استخباراتي، تدريب، وتسليح محدود، مع تجنب تدخل عسكري واسع. لكن استمرار تقدم قوات الدعم السريع نحو وادي النيل قد يضع مصر أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التدخل المباشر والدخول في حرب إقليمية معقدة، أو التراجع وترك «الخطوط الحمراء» تتآكل تدريجياً.

 

في النهاية، يكشف تغيّر ساحات القتال في السودان أن الخطوط الحمراء المصرية لم تعد مجرد شعارات سياسية، بل رهانات مصيرية ستختبرها الأشهر المقبلة، في صراع تتداخل فيه الجغرافيا، والاقتصاد، وتوازنات القوى الإقليمية.



https://www.newarab.com/analysis/how-sudans-shifting-battlefield-will-test-egypts-red-lines