في سابقة تكشف حجم الفوضى والاستهتار بسيادة القانون داخل المنظومة الإدارية، قررت جهات التحقيق في مصر إحالة وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة جنح القاهرة الجديدة، بعد اتهامه بـ الامتناع عمدًا عن تنفيذ حكم قضائي نهائي صادر ضده في قضية تتعلق بعقد إيجار مدرسة بمحافظة المنيا.

 

وحددت المحكمة جلسة 13 مايو لبدء المحاكمة، وسط مطالب واضحة من أصحاب الحق بحبسه، وعزله من منصبه، وإلزامه بدفع تعويض قدره مليون جنيه، في قضية تُظهر وزير التعليم – المفترض أنه قدوة في احترام القانون – في موقع من يتلاعب بأحكام القضاء ويماطل في حقوق المواطنين.

 

حكم نهائي يتجاهله الوزير: منازعة إيجار تتحول إلى فضيحة دولة

 

القضية تعود إلى الدعوى رقم 77 لسنة 2013 مدني كلي حكومة، أمام محكمة المنيا الابتدائية، والتي انتهت إلى حكم نهائي يقضي بإخلاء المدرسة محل النزاع وتسليمها خالية من الشواغل مع إلزام الوزارة بالمصاريف، باعتبارها جهة شاغلة بموجب عقد إيجار. لاحقًا، أيدت محكمة استئناف بني سويف حكم الإخلاء، وبات واجب النفاذ، بما لا يترك مجالاً للمناورة القانونية.

 

ورغم وضوح الحكم وقِدم القضية (منذ 2013)، امتنعت الوزارة – إداريًا – عن التنفيذ حتى الآن، ما فتح الباب أمام تحريك ملف الامتناع العمدي عن تنفيذ حكم قضائي ضد الوزير نفسه، وليس فقط ضد الجهة الإدارية. وبموجب القانون، يُعد هذا السلوك جريمة مكتملة الأركان، يعاقَب مرتكبها بالحبس أو الغرامة أو كليهما، فضلًا عن العقوبات الإدارية التي تصل إلى العزل من الوظيفة.

 

إحالة وزير في الحكومة الحالية إلى محاكمة جنح بسبب تجاهله حكمًا نهائيًا، ليست مجرد “خلاف مدني حول مدرسة”، بل رسالة فاضحة عن طريقة تعامل بعض مسؤولي الدولة مع أحكام القضاء: ما يوافق الهوى يُنفَّذ فورًا، وما يمس مصالح الوزارة أو يعرّي سوء إدارتها يوضع في الأدراج، حتى لو قضت به المحاكم على مدى سنوات.

 

سجل مثقل بالجدل: من إهمال الطلاب إلى التشكيك في الأهلية القانونية

 

القضية الحالية ليست أول مرة يُجرّ فيها اسم وزير التربية والتعليم إلى أروقة المحاكم. فخلال السنوات الماضية، تراكمت ضده ملفات حقوقية وقانونية، عكست حجم السخط داخل المجتمع التعليمي وأوساط أولياء الأمور.

 

في ديسمبر 2025، رفعت مؤسستان حقوقيتان دعوى تطالب بإصلاحات عاجلة لحماية الطلاب من العنف والتحرش داخل المدارس، محمّلتين الوزارة – وعلى رأسها الوزير – مسؤولية التقصير في وضع وتطبيق سياسات حماية فعّالة. هذه الدعوى سلّطت الضوء على واقع قاتم داخل المدارس: عنف بدني، اعتداءات، غياب آليات شكوى آمنة، ومناخ يُشعِر التلاميذ بأن أمنهم الشخصي ليس أولوية.

 

وفي العام نفسه، طُرحت دعوى قضائية طالبت بعزل الوزير استنادًا إلى ما ورد في صحيفة الحالة الجنائية الخاصة به، مع الزعم بوجود تحفظات جنائية تمنعه من تولي منصب عام، إضافة إلى التشكيك في امتلاكه مؤهلات جامعية معترفًا بها تؤهله لإدارة واحدة من أهم الوزارات في البلاد. ورغم أن القضاء رفض تلك الدعوى، فإن مجرد وجودها على هذه الخلفية القانونية والأخلاقية كرس جدلاً واسعًا حول مدى كفاءة الرجل وأهليته.

 

إلى جانب ذلك، تتكرر احتجاجات ومطالبات من أولياء الأمور والمعلمين بخضوع الوزارة للمساءلة عن حوادث إهمال واعتداءات داخل المدارس، من انهيار مبانٍ وسوء صيانة، إلى واقعات تنمّر وعنف لم تجد ردعًا واضحًا من الوزارة. كل ذلك شكّل صورة وزير يغيب عن المعارك الحقيقية داخل الفصول، لكنه حاضر بقوة عندما يتعلق الأمر بتجاهل أحكام قضائية تمس مصالح وزارته.

 

ماذا يعني أن يُحاكَم وزير تعليم بتهمة ازدراء أحكام القضاء؟

 

يرى محللون أن إحالة وزير التربية والتعليم إلى المحاكمة الجنائية في ملف كهذا تتجاوز شخصه لتضرب في قلب العلاقة بين السلطة التنفيذية والقضاء. فالقانون في صيغته النظرية واضح: أحكام القضاء واجبة النفاذ، والامتناع العمدي عن تنفيذها جريمة، مهما كانت الجهة أو المنصب. لكن واقع الممارسة في مصر كثيرًا ما منح الوزارات والمسؤولين حصانة غير معلنة، تقوم على التسويف والمماطلة والالتفاف على الأحكام.

 

هذه المرة، يبدو أن القاضي قرر أن يقول كلمته: لا أحد فوق القانون، ولو كان وزيرًا. إحالة الملف إلى محكمة جنح القاهرة الجديدة، وتحديد جلسة واضحة في 13 مايو، تعني أن القضية دخلت حيز المحاكمة الفعلية، ولم تعد مجرد تهديد نظري.

 

من الناحية السياسية، أي إدانة محتملة للوزير – ولو بغرامة – ستُعد فضيحة أخلاقية وقانونية لحكومة ترفع شعار “الجمهورية الجديدة”، بينما وزير من وزرائها يجلس في dock الاتهام بتهمة تجاهل حكم قضائي. ومن الناحية المؤسسية، تُرسل الرسالة لباقي الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات: التوقيع على قرارات تتجاهل أحكام المحاكم لم يعد ترفًا بلا ثمن.

 

في المقابل، استمرار الوزير في منصبه بينما يجري التحقيق معه ومحاكمته في قضية امتناع عن تنفيذ حكم، يطرح سؤالًا محرجًا: كيف يُربّي وزيرٌ الأجيال على احترام القانون، بينما يُتهم هو نفسه بعدم احترامه؟ وكيف تطلب الوزارة من الطلاب الالتزام بالقواعد والانضباط، فيما رأس الهرم الإداري متهم باستخدام موقعه للالتفاف على حقوق مواطنين صدر لهم حكم نهائي من القضاء؟

 

في النهاية، قد تنتهي القضية بحكم مخفف أو بتسوية من نوع ما، لكن الضرر الرمزي وقع بالفعل: وزير التربية والتعليم في مصر يُواجه محاكمة جنائية بتهمة الامتناع عمدًا عن تنفيذ حكم قضائي. وهذه وحدها تكفي كعنوان فاضح لحالة منظومة تعليم يُفترض أنها تربي على سيادة القانون، بينما يتصدّرها مسؤول متهم بإهداره.