أثارت الجريدة الرسمية بنشرها القرار الجمهوري رقم 16 لسنة 2026 بتعيين 28 عضوًا في مجلس النواب الجديد موجة واسعة من التفاعلات السياسية والإعلامية، تجاوزت حدود الخبر إلى نقاش عميق حول طبيعة النظام السياسي وحدود الدور الرقابي للمجلس.

 

ورغم أن الدستور المصري يمنح رئيس الجمهورية حق تعيين ما يصل إلى 5% من إجمالي أعضاء المجلس، فإن تركيبة الأسماء المعلنة هذه المرة أعادت طرح أسئلة قديمة جديدة حول استقلال البرلمان، ومدى تمثيله الحقيقي للمجتمع، ودوره في ظل بنية سياسية يصفها خبراء بأنها “مُهندسة سلفًا”.

 

وتصدّر قائمة المعينين وزير الخارجية السابق سامح شكري، أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية في عهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، إلى جانب هشام عبد السلام بدوي، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، وهو ما اعتبره خبراء السياسة دلالة مباشرة على طبيعة التعيينات واتجاهها العام.

 

دلالات الأسماء… هيمنة تنفيذية ورقابية

 

يرى خبراء في الشأن السياسي أن اختيار شخصيات ذات خلفيات تنفيذية ورقابية وأمنية يعكس توجّهًا واضحًا نحو إحكام السيطرة على المؤسسة التشريعية، بدل تعزيز استقلالها.

 

الدكتور محمد الشريف، الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية، اعتبر أن فكرة أن التعيين الرئاسي يمكن أن يخلق تمثيلًا شعبيًا حقيقيًا “غير قابلة للتصديق”، مشيرًا إلى أن النائب المعيّن لا يمثل سوى الجهة التي اختارته، وليس الناخبين.

 

https://x.com/MhdElsherif/status/2010460450090102982

 

ويضيف الشريف أن الحديث المتكرر عن “إثراء المجلس” بالمستقلين أو الخبراء لا يصمد أمام واقع مجلس جرى اختيار رئيسه وتشكيله قبل انعقاده، في عملية يصفها بأنها هندسة كاملة للمشهد النيابي.

 

في السياق ذاته، أعاد خبراء التذكير بخلفية هشام بدوي، الذي شغل سابقًا منصب محامٍ عام أول لمحاكم أمن الدولة العليا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، معتبرين أن هذا المسار الوظيفي يرسخ الطابع الأمني للتعيينات، ويضعف من فرضية التوازن أو التعدد داخل المجلس.

 

مجلس رقابي أم “ديكور سياسي”؟

 

ترافقت التعيينات مع موجة انتقادات واسعة على منصّات التواصل الاجتماعي، رأت في المجلس الجديد امتدادًا لوضع سياسي قائم على المصادقة لا المراقبة.


الكاتب والإعلامي أسامة جاويش وصف المجلس بأنه “مجلس ديكور”، معتبرًا أنه يتحرك بتوجيهات أمنية، ويوافق على القرارات الحكومية دون نقاش فعلي.

 

كما كتب الصحفي أحمد سعد عبر حسابه:“المعلم دا هشام بدوي كان رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات… الحارس الأمين على أموال الشعب… السيسي عيّنه في مجلس النواب وهيمسكه رئيس المجلس كمان… واضح إنه كان بيسمع الكلام كويس ومكنش لا بيراقب ولا بيحاسب.”

 

ويرى خبراء أن استدعاء أسماء بعينها، مثل سامح شكري، يعكس رغبة في توظيف الثقل السياسي والدبلوماسي السابق داخل البرلمان، لكن دون ضمان دور تشريعي أو رقابي مستقل، خاصة في ظل سجل برلماني لم يشهد، بحسب المتابعين، رفضًا حقيقيًا لقرارات جوهرية صادرة عن السلطة التنفيذية.

 

تعيينات النساء.. تمثيل أم تجميل سياسي؟

 

ضمّت القائمة 14 سيدة، من بينهن نائلة جبر، رئيسة اللجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وعادلة رجب، نائبة وزير السياحة السابقة، وثريا البدوي الأكاديمية، وراندا مصطفى عضو مجلس الشيوخ السابق، وماريان مجدي الناشطة الاجتماعية، ومنال حمدي الطبيبة والأستاذة الجامعية.

 

من الناحية الشكلية، تعكس هذه الأسماء تنوعًا مهنيًا، لكن خبراء في قضايا النوع الاجتماعي يرون أن التمكين الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد بقدر ما يُقاس بقدرة النائبات على التأثير وصناعة القرار.

 

الناشط أسعد هيكل أشار إلى غياب أسماء سياسية وفكرية معروفة، معتبرًا أن التعيينات خلت من شخصيات قريبة من الشارع أو لها تاريخ في العمل العام المستقل.

 

وفي المقابل، احتفى الإعلام المؤيد بالتعيينات، ونقل حساب صدى البلد عن الإعلامي أحمد موسى قوله إن الاختيارات جاءت “على الفرازة”، وهو خطاب قوبل بسخرية وانتقادات واسعة.

 

المرشحة السابقة نشوى الديب علّقت بقولها إن “الديمقراطية تُمارَس غصبًا”، في إشارة ساخرة إلى الفجوة بين الشكل والمضمون.

 

 

الإطار الدستوري والسؤال المفتوح

 

يُنتخب معظم أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 596 عضوًا عبر انتخابات شعبية مباشرة، بينما يسمح الدستور للرئيس بتعيين ما يصل إلى 5% منهم، أي نحو 28 عضوًا، وهو ما حدث في هذه الدورة.

 

لكن خبراء دستوريين يرون أن الإشكالية لا تكمن في النص الدستوري ذاته، بل في السياق السياسي العام، خاصة مع استمرار الجدل حول نزاهة العملية الانتخابية من الأساس.

 

ويرى قطاع واسع من الخبراء أن هذه التعيينات تمثل حلقة جديدة في سلسلة هندسة المشهد السياسي، حيث يجري استكمال مجلس ضعيف رقابيًا بشخصيات تضمن الانضباط الكامل، لا التعدد أو المساءلة.

 

ويبقى السؤال المركزي مطروحًا: هل يمكن لمجلس يُعيَّن جزء من أعضائه، ويُختار رئيسه قبل انعقاده، وتُحدَّد أدواره سلفًا، أن يمارس رقابة حقيقية أو يعبر بصدق عن إرادة المجتمع؟