الاثنين 12 يناير 2025، وجد المصريون أنفسهم أمام مشهد سياسي جديد ومثير للجدل: انتخاب المستشار هشام بدوي رئيسًا لمجلس النواب المصري، بعد جلسة افتتاحية عُقدت بمقر المجلس في العاصمة الإدارية الجديدة.

 

مشهد مكتمل شكليًا، أرقام واضحة، إجراءات لائحية سليمة، وتصفيق رسمي.

 

لكن خلف هذا المشهد، تتراكم أسئلة ثقيلة، وشبهات قديمة لم تختفِ، بل عادت إلى الواجهة بقوة مع انتقال الرجل من موقع رقابي شديد الحساسية إلى قمة السلطة التشريعية.

 

الأرقام الرسمية تقول إن هشام بدوي حصد 521 صوتًا مقابل 49 صوتًا لمنافسه النائب محمود سامي الإمام، وسط مشاركة 596 نائبًا من التشكيل الكامل للمجلس، منتخبين ومعينين.

 

الجلسة أدارتها عبلة الهواري بصفتها أكبر الأعضاء سنًا، وساعدتها سامية الحديدي وسجى عمرو هندي. أدى النواب اليمين الدستورية، وبدأت دورة برلمانية جديدة من المفترض أن تمتد خمس سنوات.

 

لكن السؤال الذي لم يُطرح داخل القاعة، وفرض نفسه خارجها بقوة: هل يكفي الالتزام الإجرائي كي يُغلق ملف الشبهات؟

 

من الرقابة إلى التشريع.. انتقال يفتح الجروح القديمة

 

هشام بدوي ليس اسمًا عابرًا في الدولة. الرجل ارتبط اسمه لسنوات طويلة بهيئة الرقابة الإدارية، وهي واحدة من أخطر المؤسسات في بنية الحكم، لأنها تقف نظريًا على خط المواجهة مع الفساد. هذا الموقع تحديدًا هو ما يجعل انتقاله إلى رئاسة البرلمان محمّلًا بالريبة.

 

خبراء في الحوكمة يرون أن المشكلة لا تتعلق بالشخص وحده، بل بتعارض الأدوار. كيف يمكن لرجل جلس على ملفات فساد كبرى، بعضها أُغلق، وبعضها لم يرَ النور، أن ينتقل فجأة إلى موقع يفترض به مراقبة الحكومة سياسيًا وتشريعيًا؟

 

الدكتور محمد أنيس، الخبير في السياسات العامة، يرى أن “الانتقال من سلطة رقابية إلى سلطة تشريعية دون فاصل زمني أو مراجعة علنية للسجل السابق، يخلق شكًا مشروعًا حول استقلال البرلمان القادم”.

 

الحديث هنا لا يدور عن إدانة قانونية، بل عن شبهات أُثيرت علنًا خلال سنوات سابقة، حين طُرحت تساؤلات حول قضايا فساد كبرى لم تصل إلى المحاسبة، رغم تداولها إعلاميًا وعلى مستوى الرأي العام.

 

قضايا بلا نهايات.. حين تتحول الرقابة إلى لغز

 

خلال فترة رئاسة هشام بدوي للرقابة الإدارية، برزت قضايا فساد ضخمة في قطاعات متعددة، من المحليات إلى جهات سيادية خدمية. بعض القضايا أُعلن عنها إعلاميًا، لكن نهاياتها ظلت غامضة. لا أحكام نهائية، لا كشف تفصيلي، ولا محاسبة معلنة في ملفات كان يُفترض أنها نموذجية.

 

الخبير القانوني الدكتور محمد حامد سالم يؤكد أن “أخطر ما يضرب الثقة العامة ليس الفساد ذاته، بل غياب الخاتمة”. ويضيف أن المؤسسات الرقابية حين تفتح ملفات ثم تُغلقها بصمت، تترك فراغًا أخلاقيًا لا يملؤه أي خطاب رسمي.

 

هذه الشبهات لم تُمحَ مع الزمن، بل ظلت حاضرة في الذاكرة العامة، وها هي تعود اليوم مع وصول الرجل إلى رئاسة البرلمان، الموقع الذي يفترض به مساءلة الحكومة، ومراجعة القوانين، وحماية المال العام. السؤال المنطقي: كيف سيحاسب من سُئل سابقًا عن الصمت؟

 

برلمان تحت الاختبار.. الرئاسة ليست حصانة

 

انتخاب هشام بدوي رئيسًا لمجلس النواب لا يعني منحه شيكًا على بياض. المنصب في ذاته ليس درعًا ضد النقد، ولا يجب أن يتحول إلى مظلة صمت. الخبراء يؤكدون أن البرلمان القوي لا يُقاس بعدد الأصوات التي أوصلت رئيسه، بل بقدرته على فتح الملفات الثقيلة دون خوف.

 

الدكتورة منى عبد الهادي، أستاذة الإدارة العامة، ترى أن “أول اختبار حقيقي للرئيس الجديد سيكون في طريقة تعامله مع قضايا الفساد القادمة”. وتضيف أن أي محاولة لإغلاق النقاش أو تحصين المنصب ستُفسر على أنها امتداد لنمط قديم، لا قطيعة معه.

 

اليوم، الكرة في ملعب هشام بدوي. رئاسة البرلمان تضعه تحت الضوء، لا فوقه. كل قرار، وكل موقف، وكل ملف يُغلق أو يُفتح، سيُقرأ في سياق تاريخه السابق. المصريون لا ينتظرون شعارات عن الانضباط أو الهيبة، بل إجابات واضحة عن أسئلة مؤجلة.

 

انتُخب هشام بدوي رئيسًا لمجلس النواب، نعم. لكن الرئاسة هنا ليست نهاية المسار، بل بدايته الأصعب. إما أن يواجه الشبهات بشفافية، أو يثبت أن انتقاله لم يكن إلا تدويرًا للنفوذ داخل دائرة مغلقة. وفي السياسة، الصمت لا يُفسَّر أبدًا لصالح صاحبه.