لم يكن ما جرى داخل غرفة العمليات في مستشفى كرموز العمال للتأمين الصحي بالإسكندرية مجرد واقعة تحرش عابرة، بل جريمة مكتملة الأركان وقعت في واحد من أكثر الأماكن التي يُفترض أن تكون منضبطة ومحكومة بالقانون والضمير.
طبيبة مصرية، تؤدي عملها داخل عملية جراحية دقيقة، فوجئت بزميل لها، طبيب عربي الجنسية، يتحرش بها جسديًا أثناء انشغالها الكامل بإنقاذ حياة مريض. الواقعة التي تكشفت تفاصيلها في نوفمبر الماضي، فتحت بابًا واسعًا للأسئلة حول أمان بيئة العمل الطبي، وحول الصمت المؤسسي الذي يسمح بوقوع مثل هذه الجرائم داخل غرف يفترض أنها معقمة أخلاقيًا قبل أن تكون معقمة طبيًا.
تحرش أثناء الجراحة… حين تصبح غرفة العمليات مسرحًا للجريمة
بحسب ما ورد في البلاغات والتحقيقات الأولية، كانت الطبيبة تشارك في إجراء جراحة لوقف نزيف مريض داخل غرفة العمليات بمستشفى كرموز، حين اقترب منها الطبيب المتهم، المعروف بالأحرف الأولى “ع. ن”، وقام بالتحرش بها من الخلف أثناء انحنائها للعمل داخل جسم المريض. الفعل لم يكن لفظيًا ولا ملتبسًا، بل جسديًا مباشرًا، وفي لحظة لا تسمح بأي لبس أو سوء فهم، وفقًا لـ"القاهرة 24"..
الطبيبة تعرضت لصدمة شديدة، واضطرت إلى مغادرة غرفة العمليات فورًا، في موقف بالغ الخطورة، لولا تدخل استشاري آخر تولى استكمال الجراحة حفاظًا على حياة المريض. هذا التفصيل وحده يكشف حجم الجريمة، فالفعل لم يعتدِ فقط على جسد وكرامة الطبيبة، بل كاد أن يهدد حياة مريض لا ذنب له.
اعتراف جزئي وتحقيقات مرتبكة داخل المستشفى
بعد خروج الطبيبة من غرفة العمليات، تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة المستشفى. الإدارة عقدت اجتماعًا عاجلًا بحضور قيادات المستشفى، وتم استدعاء الطبيب المتهم للتحقيق الإداري. وخلال التحقيقات، قدم الطبيب اعتذارًا شفهيًا، واعتُبر هذا الاعتذار بمثابة اعتراف جزئي بالواقعة، إلا أن الطبيبة رفضت أي محاولات للتهدئة أو التسوية، وأصرت على استكمال الإجراءات القانونية.
في تطور لافت، جرى نقل الطبيبة إلى مستشفى آخر بناءً على طلبها، بدعوى مراعاة حالتها النفسية. لكن هذا الإجراء أثار تساؤلات واسعة: لماذا تُنقل الضحية، بينما يبقى المتهم في موقعه؟ ولماذا يُنظر إلى الإبعاد كحل بدلًا من المحاسبة الصريحة؟
محامي الطبيبة كشف عن محاولات تلاعب داخل المستشفى، تضمنت السعي لتغيير اسم الطبيب المتهم في المذكرات الرسمية، واستبداله باسم طبيب آخر معروف بحسن السمعة. كما أشار إلى أن الطبيب المتهم غير مقيد رسميًا في سجلات المستشفى، ما زاد الشبهات حول كيفية عمله داخل منشأة حكومية دون إجراءات واضحة.
خبراء: ما حدث جريمة لا تقل عن الاعتداء الجنائي
الخبير القانوني د. محمد الشاذلي، أستاذ القانون الجنائي، يؤكد أن الواقعة “تشكل جريمة تحرش جنسي مكتملة الأركان وفق القانون المصري”، مشددًا على أن وقوع الجريمة أثناء أداء المجني عليها لعملها داخل غرفة عمليات يمثل ظرفًا مشددًا، لأن الفعل انتهك حرمة الجسد والمكان والوظيفة في آن واحد.
من جانبها، ترى د. منى عبد الهادي، خبيرة أخلاقيات المهنة الطبية، أن ما حدث “يفضح خللًا عميقًا في ثقافة بعض المؤسسات الصحية”، موضحة أن غرفة العمليات ليست مجرد مكان عمل، بل مساحة ثقة مطلقة، وأي انتهاك داخلها ينسف أساس المهنة نفسها.
أما د. سامح غانم، أستاذ إدارة المستشفيات، فيؤكد أن نقل الضحية لا يمكن اعتباره حلًا، بل قد يُفهم كعقوبة غير معلنة. ويشدد على ضرورة وجود سياسات واضحة للتعامل مع التحرش داخل المستشفيات، تبدأ بالحماية الفورية للمجني عليها، وتنتهي بمحاسبة شفافة للمتهم، دون مجاملات أو تمييع.
ما جرى في مستشفى كرموز ليس واقعة فردية معزولة، بل جرس إنذار خطير. حين تتحول غرفة العمليات إلى مكان غير آمن للطبيبات، فالمشكلة لم تعد في شخص واحد، بل في منظومة تسمح بالتحرش، وتحاول احتواءه إداريًا بدلًا من مواجهته قانونيًا. هذه الجريمة ستظل علامة سوداء، ما لم تُستكمل المحاسبة حتى نهايتها، ويُقال بوضوح: لا أحد فوق القانون، حتى داخل غرفة عمليات.

