لم يعد المشهد الصومالي أزمة داخلية محصورة في صراعات محلية أو خلافات سياسية عابرة، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك جيوسياسي مفتوحة، تتقاطع فيها مشاريع إقليمية ودولية، ويبرز فيها الدور الصهيوني بوصفه فاعلًا متقدمًا يسعى للوصول المباشر إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أخطر شرايين التجارة والأمن العالمي.

 

ويرى خبراء أن ما يجري في الصومال ليس إلا حلقة متقدمة في مسار يستهدف إعادة هندسة المنطقة من خارجها، وبعيدًا عن إرادة شعوبها، وبما يهدد وحدة الدول وأمنها القومي.

 

القرن الإفريقي، بحسب مراقبين، يشهد إعادة تموضع خطيرة، تتلاقى فيها المصالح الإماراتية مع المشروع الصهيوني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تزامنًا مع حروب مفتوحة واضطرابات ممتدة في السودان واليمن، وتراجع أدوار عربية تقليدية في محيطها الحيوي.

 

من الموانئ إلى القواعد: كيف بدأ تفكيك الدولة الصومالية؟

 

الكاتب والباحث السعودي سليمان العقيلي يؤكد أن أبو ظبي تبنّت منذ منتصف العقد الماضي سياسة ممنهجة تقوم على دعم الكيانات الانفصالية في دول جنوب البحر الأحمر، وعلى رأسها الصومال، ضمن رؤية تتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية.

 

ويشير إلى أن اتفاق شركة موانئ دبي العالمية عام 2016 على تطوير ميناء بربرة بقيمة 442 مليون دولار، مع حصولها على 51% من الملكية لمدة 30 عامًا، تم دون أي تنسيق مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، ما شكّل انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدولة الصومالية.

 

ويرى العقيلي أن الأخطر لم يكن الاستثمار الاقتصادي، بل ما تلاه من إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في بربرة، استُخدمت خارج إطار التحالف العربي في اليمن، وبعيدًا عن أي مظلة إقليمية جامعة، ما فتح الباب لتحويل الميناء إلى منصة عسكرية ذات أبعاد إقليمية.

 

النفوذ لم يتوقف عند صوماليلاند. ففي إقليم بونتلاند، جرى – وفق العقيلي – ضخ دعم مباشر لقوات الإقليم شمل التدريب والتسليح والتمويل، إلى جانب الاستثمار في ميناء بوصاصو، بما كرّس واقعًا شبه مستقل عن الدولة المركزية، وحوّل الإقليم إلى مركز نفوذ موازٍ لمقديشو.

 

العامل الصهيوني: موطئ قدم عند باب المندب

 

الاعتراف الصهيوني بإقليم صوماليلاند لم يكن خطوة رمزية أو معزولة، بل – بحسب العقيلي – جاء في إطار تقاطع مشروعين متكاملين: مشروع إماراتي للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية، ومشروع صهيوني لبناء حضور عسكري واستخباري دائم في القرن الإفريقي.

 

الكاتب السوداني مكاوي الملك يدعم هذا الطرح بقراءات صور أقمار صناعية تشير إلى بدء إنشاء قاعدة عسكرية صهيونية قرب باب المندب، ما يمنح تل أبيب قدرة مباشرة على مراقبة الملاحة الدولية، وتنفيذ عمليات عسكرية قريبة المدى، والضغط على قوى إقليمية كبرى مثل السعودية ومصر وتركيا وإيران.

 

ويرى الملك أن هذا التطور، إذا اكتمل، سيعني تحول القرن الإفريقي إلى منصة نفوذ صهيوني متقدم، بما يهدد الأمن القومي العربي لعقود، ويحوّل البحر الأحمر من ممر تجاري آمن إلى ساحة صراع مفتوح.

 

ردود الفعل والمخاطر المقبلة: إلى أين يتجه المشهد؟

 

الموقف الصومالي الرسمي جاء رافضًا بقوة، إذ أدانت وزارة الخارجية الصومالية زيارة وزير خارجية الكيان الصهيوني إلى هرجيسا، مؤكدة أن الإقليم جزء لا يتجزأ من الدولة الصومالية. كما شدد الرئيس حسن شيخ محمود على رفض أي مساس بوحدة البلاد.

 

عربيًا، أدانت 21 دولة عربية وإسلامية الاعتراف بصوماليلاند، في مشهد اعتبره خبراء مؤشرًا على خطورة الخطوة، خاصة مع غياب إدانات من أطراف إقليمية فاعلة، ما يعكس حجم الانقسام العربي حول هذا الملف.

 

الأكاديمي والمفكر السوري أحمد رمضان يرى أن ما يحدث في الصومال والسودان واليمن ليس إلا مسارات متوازية ضمن مشروع أوسع لإشعال اضطرابات تضرب عمق الأمن القومي العربي، محذرًا من أن المنطقة تُدفع نحو صدامات كبرى قد تعيد تشكيل النظام الإقليمي بالكامل.

 

في السياق ذاته، يكشف المحلل السياسي الفلسطيني أحمد الحيلة عن شروط صهيونية وُصفت بالخطيرة للاعتراف بصوماليلاند، تشمل توطين الفلسطينيين، وإنشاء قاعدة عسكرية على خليج عدن، والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، معتبرًا أن هذه الشروط تعني تفكيكًا ممنهجًا للدولة الصومالية، وخلق كيانات ضعيفة تعتمد بالكامل على الخارج.

 

خبراء يتفقون على أن استمرار هذا المسار سيقود إلى:

 

  • تفتيت الدولة الصومالية،
  • تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي،
  • وتهديد مباشر لأمن السعودية ومصر والسودان واليمن.

 

ويرون أن مواجهة هذا السيناريو تتطلب تحركًا عربيًا عاجلًا ومنسقًا، تقوده قوى إقليمية كبرى، لإعادة الاعتبار لوحدة الصومال، ومنع تحويل القرن الإفريقي إلى منصة نفوذ صهيوني متقدمة، قبل أن يصبح الواقع الجديد أمرًا مفروضًا لا يمكن تغييره.