أصدرت وزارة النقل قرارًا وزاريًا بنزع ملكية عدد من العقارات والأراضي لصالح تنفيذ مشروع المونوريل في جانبي شرق وغرب النيل، ونُشر القرار في الوقائع المصرية ليصبح نافذًا قانونيًا.
القرار، الذي يأتي تحت إشراف الفريق كامل الوزير، يُقدَّم رسميًا باعتباره خطوة ضرورية لتطوير منظومة النقل الحضري وتخفيف التكدس المروري. لكن خلف اللغة التقنية والوعود الكبيرة، تتجدد أسئلة قديمة حول كلفة هذه «التنمية» على المواطنين، وحدود استخدام نزع الملكية كأداة دائمة، وغياب الشفافية والمشاركة المجتمعية في قرارات تمس السكن والرزق والحق في المدينة.
نزع الملكية كخيار أول لا أخير
القرار يقضي بنزع ملكية ما يلزم من أراضٍ وعقارات لاستكمال خطّي مونوريل شرق النيل (العاصمة الإدارية الجديدة) وغرب النيل (السادس من أكتوبر). ورغم أن القانون يجيز نزع الملكية للمنفعة العامة، إلا أن الإشكال لا يكمن في النص القانوني بقدر ما يكمن في طريقة التطبيق وتكراره. فبدل البحث عن بدائل تخطيطية تقلل الضرر، بات نزع الملكية الخيار الأسرع، ما يحول «المنفعة العامة» إلى مظلة واسعة تُغطي آثارًا اجتماعية واقتصادية جسيمة.
يقول د. عبد الله مغازي، أستاذ التخطيط العمراني، إن المشروعات الكبرى في المدن المكتظة يجب أن تُدار بمنطق «تقليل الإزاحة»، موضحًا أن تصميم المسارات يمكن أن يتكيف مع النسيج العمراني بدل اقتلاعه. ويضيف أن غياب دراسات الأثر الاجتماعي المعلنة يجعل المواطنين أمام قرار مفاجئ، بلا معلومات كافية عن التعويضات أو الجداول الزمنية.
وعود المونوريل بين الكفاءة والواقع
تروّج الحكومة للمونوريل باعتباره حلًا سحريًا للازدحام، يربط مناطق متعددة بسرعة وكفاءة ويخدم مئات الآلاف يوميًا. لا خلاف على أن النقل الجماعي الكهربائي أقل تلويثًا وأكثر كفاءة من السيارات الخاصة. لكن السؤال: لمن يُصمَّم هذا المشروع؟ وهل يخدم احتياجات القاهرة القائمة، أم يركز على ربط المدن الجديدة على حساب تحسين شبكات النقل داخل الأحياء المكتظة؟
يرى د. إبراهيم الدميري، أستاذ هندسة النقل، أن نجاح أي منظومة نقل يعتمد على التكامل، لا الاستعراض. ويشير إلى أن خطوطًا مرتفعة باهظة التكلفة تحتاج إلى شبكات تغذية فعّالة وأسعار تذاكر في متناول المستخدم اليومي. «إذا لم تُحل مشكلة الوصول من وإلى المحطات، ولم تُراعَ القدرة الشرائية، سيتحول المشروع إلى رمز مكلف لا يخفف الضغط الحقيقي»، يقول الدميري.
التعويضات: ثغرة الثقة الأكبر
تؤكد وزارة النقل أن نزع الملكية سيتم وفق القانون، مع تسوية التعويضات بحسب القواعد المعمول بها. لكن التجارب السابقة زرعت شكوكًا عميقة لدى المتضررين. فالتقييمات غالبًا ما تُتهم بأنها أقل من القيمة السوقية، والإجراءات طويلة، والطعون محدودة الأثر. النتيجة هي شعور عام بأن المواطن يُطلب منه التضحية دون ضمان عادل.
من جهته، يحذر د. محمد فؤاد من أن التعويض غير العادل لا يخلق فقط مظالم فردية، بل يضر بالاقتصاد المحلي. «حين تُنزع ملكية متجر أو ورشة دون تعويض يُمكّنه من الاستمرار، فأنت لا تُهدر أصلًا فقط، بل تقطع مصدر دخل وتزيد البطالة غير المرئية»، يقول فؤاد، داعيًا إلى ربط التعويض ببدائل عملية: إعادة توطين، أو أسهم في المشروع، أو برامج دعم انتقالية.
التنمية من أعلى إلى أسفل.. بلا مشاركة
أحد أبرز أوجه النقد يتمثل في نمط اتخاذ القرار. تُعلن المشروعات، تُنشر القرارات، ثم يُطلب من الناس التكيّف. لا جلسات استماع مُلزمة، ولا نشر منهجي لدراسات الأثر، ولا آليات واضحة لتعديل المسارات استجابة لملاحظات السكان. هذا الأسلوب يعمّق فجوة الثقة ويحوّل أي مشروع—مهما كانت جدواه—إلى بؤرة توتر.
يؤكد خبراء أن إشراك المجتمع ليس ترفًا، بل شرط نجاح. ففي مدن عديدة، تُعدّل المسارات، وتُرفع أعمدة، وتُغيّر مواقع محطات لتقليل الإزاحة. أما الاكتفاء بخطاب «المنفعة العامة» دون مشاركة، فيرسّخ صورة حكومة تفرض الحلول بدل بنائها مع الناس.
كلفة سياسية وبيئية لا تُحسب
إلى جانب الكلفة الاجتماعية، ثمة كلفة سياسية تتراكم مع كل قرار نزع. فالتنمية التي تُرى بوصفها قسرية تُنتج مقاومة صامتة وتضعف الالتزام المجتمعي. كما أن المشروعات المرتفعة لها أثر بصري وبيئي على الأحياء القائمة، يتطلب معالجات تصميمية وتواصلًا شفافًا—وهي أمور نادرًا ما تُشرح للرأي العام.
الخلاصة:
مشروع المونوريل قد يكون إضافة مهمة لمنظومة النقل إذا أُدير بعقلية تشاركية عادلة. لكن في صيغته الراهنة، وتحت إشراف كامل الوزير، يبدو القرار امتدادًا لنهج يعتمد نزع الملكية كحل سريع، ويؤجل معالجة جذور الأزمة: التخطيط المتكامل، العدالة في التعويض، واحترام حق المواطنين في المدينة. التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الكيلومترات، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس دون اقتلاعهم منها.

