قرر رئيس مجلس إدارة المؤسسة، إسلام عفيفي، إيقاف صحفي وستة من عمال مطابع المؤسسة عن العمل لمدة شهرين، على خلفية وقفة احتجاجية نظمها عمال المطابع بالقاهرة للمطالبة بحقوق مالية متأخرة، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الصحفية والعمالية، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول أوضاع العمل، واحترام الحقوق النقابية، وحدود حرية التعبير داخل المؤسسات الصحفية القومية.
قرار الإيقاف: توقيت مثير للجدل
وبحسب مصادر مطلعة، شمل قرار الإيقاف الصحفي حسام الدين محمد علي، الشهير بـ«حسام الكاشف»، إلى جانب ستة من عمال مطابع المؤسسة، وذلك لمدة شهرين لحين الانتهاء من التحقيق معهم، بدعوى ارتباطهم بوقفة احتجاجية نظمها العمال الأحد الماضي أمام مبنى المؤسسة بشارع الصحافة.
الوقفة الاحتجاجية تزامنت مع إضراب جزئي عن العمل، وجاءت للمطالبة بصرف مستحقات مالية متأخرة، وتحديد موعد واضح لصرف أرباح العاملين عن العام المالي 2025، وهي مطالب يقول العمال إنها مطروحة منذ شهور دون استجابة فعلية من الإدارة.
«لم أشارك.. فقط كتبت»
من جانبه، نفى الصحفي حسام الكاشف مشاركته في الوقفة الاحتجاجية، مؤكدًا أن دوره اقتصر على نشر تدوينة عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك»، انتقد فيها تكرار الوقفات الاحتجاجية داخل المؤسسة نتيجة ما وصفه بـ«إهدار حقوق العمال وعدم الاستجابة لمطالبهم المشروعة».
وأشار الكاشف إلى أن قرار إيقافه صدر بعد يومين فقط من الوقفة، معتبرًا ذلك «إجراءً تعسفيًا» يستهدف معاقبته على التعبير عن رأيه، وليس على أي مخالفة مهنية أو إدارية.
وأضاف أنه يعتزم التوجه خلال الأيام المقبلة للقاء نقيب الصحفيين خالد البلشي، لبحث سبل التظلم من القرار، ومناقشة الخطوات القانونية والنقابية الممكنة لمواجهته.
عمال المطابع: احتجاج حضاري ومطالب مشروعة
في السياق نفسه، أكد أحد عمال المطابع الستة الموقوفين، طالبًا عدم نشر اسمه، أن الوقفة الاحتجاجية لم تخرج عن الإطار السلمي والحضاري، ولم تتضمن أي تعطيل كامل للعمل أو تجاوزات، بل جاءت كوسيلة أخيرة بعد تجاهل الإدارة لمناشدات متكررة.
وأوضح العامل أن مطالبهم تركزت على صرف الأرباح المتأخرة، ووضع جدول زمني واضح لصرف المستحقات المالية، مؤكدًا أن العمال لجأوا للاحتجاج بعد انسداد قنوات الحوار مع مسؤولي المؤسسة.
وأضاف أن العمال الموقوفين ينسقون حاليًا مع اللجنة النقابية داخل المؤسسة للرد على قرار الإيقاف، ولم يتخذوا بعد إجراءات رسمية للتظلم، في انتظار موقف موحد ودعم نقابي أوسع.
أوضاع مالية صعبة وشكاوى متراكمة
وتكشف شهادات عمالية وصحفية من داخل المؤسسة عن أوضاع معيشية صعبة يعاني منها عدد كبير من العاملين، خاصة في قطاع المطابع، حيث لا تتجاوز رواتب بعضهم أربعة آلاف جنيه شهريًا، وهو ما يقل كثيرًا عن الحد الأدنى الكافي لمواجهة تكاليف المعيشة المتزايدة.
وتشير المصادر إلى أن المؤسسة تتحايل على تطبيق الحد الأدنى للأجور، من خلال احتساب الأجر الإضافي والبدلات ضمن إجمالي الأجر، بدلًا من زيادته فعليًا، وهو ما يفرغ قرارات الحد الأدنى من مضمونها، ويُبقي الدخول الحقيقية للعاملين عند مستويات متدنية.
أزمة العلاج والتمييز بين العاملين
ولا تقتصر الأزمة على الجوانب المالية فقط، إذ أكدت المصادر أن مؤسسة «أخبار اليوم» توقفت خلال الفترة الأخيرة عن تغطية تكاليف العلاج الشهري للعاملين من أصحاب الأمراض المزمنة، وهو امتياز كان معمولًا به في السابق، وساهم في تخفيف الأعباء الصحية عن الموظفين.
في المقابل، أشارت الشهادات إلى استمرار صرف العلاج لبعض العاملين المحسوبين على دوائر النفوذ داخل المؤسسة، ما خلق حالة من الغضب والشعور بالتمييز وعدم العدالة بين العاملين، وزاد من حدة الاحتقان الداخلي.
أبعاد نقابية وحقوقية
أثار قرار الإيقاف ردود فعل غاضبة داخل الأوساط الصحفية، حيث اعتبره مراقبون رسالة سلبية بشأن حرية التعبير داخل المؤسسات القومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بنقل شكاوى العمال أو الدفاع عن حقوقهم.
كما رأى آخرون أن اللجوء إلى العقوبات الإدارية بدلًا من فتح حوار جاد مع العاملين، يهدد بمزيد من التصعيد والاحتقان.
ويُنتظر أن تلعب نقابة الصحفيين، إلى جانب اللجان النقابية العمالية، دورًا محوريًا في احتواء الأزمة، سواء عبر التوسط لرفع قرارات الإيقاف، أو الضغط من أجل فتح تحقيق عادل وشفاف، أو الدفع نحو حلول جذرية لأزمة الأجور والعلاج داخل المؤسسة.
أزمة تتجاوز «أخبار اليوم»
ويرى متابعون أن ما يجري داخل «أخبار اليوم» يعكس أزمة أوسع تعاني منها مؤسسات صحفية قومية عدة، تتعلق بتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع الموارد، وغياب سياسات واضحة لحماية حقوق العاملين، ما يدفعهم في كثير من الأحيان إلى الاحتجاج كخيار أخير.
ومع استمرار التحقيقات وغياب أي مؤشرات رسمية على التراجع عن قرارات الإيقاف، تبقى الأزمة مفتوحة على احتمالات عدة، في انتظار ما ستسفر عنه تحركات النقابة، ورد إدارة المؤسسة، وما إذا كانت ستختار مسار الحوار والحلول، أم الاستمرار في النهج العقابي الذي قد يعمق الأزمة بدلًا من حلها.

