لم يعد خافياً على أحد أن السياسة الاقتصادية التي انتهجتها حكومة السيسي خلال العقد الأخير قد انحرفت بالبلاد نحو مسار "الارتهان الكامل" للقوى الإقليمية، حيث تحولت مصر من دولة محورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الأصول السيادية.
بدأت القصة بوعود الازدهار والنمو، لكنها انتهت بمصيدة ديون خانقة جعلت من "بيع الأصول" الحل الوحيد والاضطراري لتفادي الانهيار المالي الشامل، وهو ما استغلته الصناديق السيادية الخليجية بذكاء لاقتناص شركات وبنوك وموانئ بأسعار وُصفت بالبخسة نتيجة الانهيار المتعمد لقيمة الجنيه المصري.
إن خريطة النفوذ التي نراها اليوم ليست استثماراً بالمعنى التنموي، بل هي "هندسة جيوسياسية" تعيد صياغة السيادة المصرية لتصبح تابعة لإرادة الممول، في ظل غياب تام للشفافية والمحاسبة الشعبية حول كيفية التصرف في ممتلكات الشعب.
خصخصة السيادة الجغرافية والممرات الاستراتيجية
يعد قطاع الموانئ واللوجستيات المثال الأبرز على هذا الاستلاب؛ حيث أحكمت الإمارات والسعودية قبضتها على موانئ استراتيجية مثل السخنة، وشرق بورسعيد، وسفاجا، باستثمارات تتجاوز المليار دولار، مما يعني فعلياً وضع مفاتيح التجارة الدولية لمصر في أيدٍ غير مصرية.
هذا التغلغل لم يتوقف عند حدود الموانئ، بل امتد ليشمل مساحات شاسعة من الأراضي الساحلية، ولعل صفقة "رأس الحكمة" التي بيعت للإمارات مقابل 35 مليار دولار هي الطعنة الأكبر في خاصرة السيادة المصرية، حيث تحولت مدينة كاملة إلى جيب استثماري أجنبي.
إن تنازل الحكومة عن هذه الأصول لا يمثل مجرد صفقة تجارية، بل هو تخلي طوعي عن أدوات الضغط الجيوسياسي للدولة المصرية لصالح قوى تسعى لتعزيز نفوذها في البحرين الأحمر والمتوسط على حساب الدور التاريخي للقاهرة.
التغلغل في مفاصل الحياة اليومية (الصحة والمال)
لم تكتفِ القوى الخليجية بالسيطرة على الجغرافيا، بل تمددت لتسيطر على "العصب الحيوي" للمواطن المصري عبر قطاعي الصحة والمصارف؛ فالمجموعات الاستثمارية الخليجية ضخت أكثر من 8.6 مليار جنيه للاستحواذ على أكبر المستشفيات والمعامل الطبية الخاصة، مما يحول حق العلاج إلى سلعة تخضع لمعايير الربح والخسارة الخليجية.
وفي القطاع المالي، تظهر "السيطرة الناعمة" من خلال الاستحواذ على حصص حاكمة في بنوك كبرى كانت تمثل ركيزة للائتمان والتمويل الوطني، مما يجعل السيولة النقدية والقرارات المصرفية الكبرى رهينة لإشارات خارجية.
هذا التوغل يضمن للمستثمر الخليجي التحكم في المدخرات الوطنية وتوجيه السياسات الائتمانية بما يخدم مصالحه، بينما يغرق المواطن في دوامة التضخم والفقر الناتجة عن سياسات الخصخصة الشرسة التي باركتها الحكومة مقابل بقائها في السلطة.
سلاح الأسمدة والرياضة.. السيطرة على العقل والخبز
يمتد النفوذ الخليجي ليطال "لقمة العيش" عبر السيطرة على قطاع الأسمدة والأغذية، حيث استحوذت الصناديق السيادية على حصص كبرى في شركات الأسمدة التي تمثل عماد الزراعة المصرية، مما يضع الأمن الغذائي القومي تحت رحمة قرارات استثمارية خارجية.
وحتى في المساحات الترفيهية، لم تسلم الرياضة المصرية من هذا التمدد؛ فالاستحواذ الكامل على أندية مثل "بيراميدز" والسعي لرعاية أندية جماهيرية كبرى كالإسماعيلي، ليس إلا محاولة لشراء "الولاء الشعبي" والتحكم في القوة الناعمة للدولة.
إن هذا المشهد المتكامل يرسخ حقيقة واحدة: أن النظام الحالي قد استنفد كافة أوراقه الوطنية ولم يعد يملك سوى "صكوك البيع" ليقدمها لداعميه، محولاً الدولة المصرية من "شقيقة كبرى" إلى "شركة مساهمة" تتقاسمها العواصم الخليجية، بينما يدفع الشعب المصري ثمن هذا الارتهان من كرامته ومستقبل أطفاله.

