يتناول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، قضية التطرف الديني من زاوية تحليلية عميقة، تنطلق من مبدأ أن الظواهر الفكرية والاجتماعية لا تنشأ من فراغ، بل هي نتاج أسباب متشابكة ومقدمات متراكمة.
ويرفض النص التفسير الأحادي للتطرف، مؤكدًا أن الغلو الديني ظاهرة مركبة تتداخل في تكوينها العوامل الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والفكرية. كما يبرز أهمية تشخيص الأسباب تشخيصًا دقيقًا بوصفه شرطًا لازمًا لأي معالجة حقيقية، إذ لا علاج بلا تشخيص، ولا تشخيص بلا فهم جذور المشكلة.
ويولي النص اهتمامًا خاصًا بضعف البصيرة بحقيقة الدين، ونصف العلم، وغياب الفقه المقاصدي، بوصفها من أخطر منابع الغلو، مستشهدًا بأقوال الأئمة الكبار كالشاطبي ومالك بن أنس، وبالحديث النبوي الشريف، ليؤكد أن الابتداع والانحراف لا ينشآن من العلماء الراسخين، وإنما من تصدّر الجهّال وادعاء ما ليس لهم من أهلية علمية.
أسباب التطرف وبواعثه
ذلك هـو التطرف الديني، وتلك بعض ملامحه ودلائله.
ومن المؤكد أن هـذا التطرف لم يأت اعتباطا، ولم ينشأ جزافا، بل له أسبابه ودواعيه، والوقائع والأعمال كالكائنات الحية لا تولد من غير شيء، ولا تنبت من غير بذر، وإنما تستثمر النتائج من مقدمات وتستولد المسببات من أسباب، سنة الله في خلقه.
ومعرفة السبب هـنا غاية في الأهمية، لا ليبطل العجب فقط كما قيل، ولكن ليمكن على أساس معرفته تحديد نوع العلاج، وصفة الدواء. إذ لا علاج إلا بعد تشخيص، ولا تشخيص إلا ببيان السبب أو الأسباب.
وهنا نسأل مع السائلين عن الأسباب والبواعث التي أدت إلى هـذا التطرف، أو الغلو في الدين؟ [ ص: 59 ]
النظرة المتكاملة إلى أسباب التطرف
والحقيقة أن سبب هـذا التطرف ليس شيئا واحدا ولكن أسبابه متعددة متنوعة، وليس من الإنصاف للحقائق أن نركز على سبب واحد، ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى، كما يصنع عادة كل منتم إلى مدرسة معينة.
فأصحاب المدرسة النفسية يرجعون كل تصرف إلى أسباب نفسية خالصة، كثيرا ما تكمن في العقل الباطن أو اللاشعور ، وبخاصة مدرسة التحليل النفسي .
والمدرسة الاجتماعية ترد كل شيء إلى تأثير المجتمع وأوضاعه وتقاليده، وما المرء إلا دمية يحرك خيوطها المجتمع كما يقول " دور كايم " !
وأنصار المادية التاريخية لا يقيمون وزنا إلا للاعتبارات المادية، والدوافع الاقتصادية، فهي التي تصنع الأحداث، وتغير التاريخ.
وأصحاب النظرة الشاملة المتوازنة يعترفون بأن الأسباب متشابكة ومتداخلة، وكلها تعمل بأقدار متفاوتة، مؤثرة آثارا مختلفة، قد يقوى أثرها في شخص ويضعف في آخر، ولكنها جميعا لها في النهاية أثرها الذي لا يجحد.
فلا ينبغي لنا أن نقف عند سبب واحد، يبرز أمامنا، ويطغى على غيره من الأسباب. فالواقع أن الظاهرة التي بين أيدينا ظاهرة مركبة، معقدة، وأسبابها كثيرة ومتنوعة، ومتداخلة، بعضها قريب، وبعضها بعيد، بعضها مباشر، [ ص: 60 ] وبعضها غير مباشر، بعضها ماثل للعين، طاف على السطح، وبعضها غائص في الأعماق.
من هـذه الأسباب ما هـو ديني، وما هـو سياسي، منها ما هـو اجتماعي، وما هـو اقتصادي، ومنها ما هـو نفسي، وما هـو فكري، وما هـو خليط من هـذا كله أو بعضه.
قد يكمن سبب هـذه الظاهرة - أو السبب الأول لها - في داخل الشخص المتطرف نفسه، وقد يكون السبب أو بعضه عند البحث، داخل أسرته، عند أبويه وإخوته وعلاقاته بهم، وعلاقاتهم بعضهم ببعض.
وقد يرجع السبب عند التحليل والتعمق إلى المجتمع ذاته، وما يحمل في طيه من تناقضات صارخة: بين العقيدة والسلوك.. بين الواجب والواقع.. بين الدين والسياسة.. بين القول والعمل.. بين الآمال والمنجزات.. بين ما شرعه الله وما وضع البشر.
ومثل هـذه المتناقضات إن احتملها الشيوخ لا يحتملها الشباب، وإن احتملها بعضهم، لا يحتملها كلهم، وإن احتملوها بعض الوقت، لن يحتملوها كل الوقت.
وقد يعود السبب إلى فساد الحكم، وطغيان الحكام، وجريهم وراء شهواتهم، وتفريطهم في حقوق شعوبهم. واتباعهم أهواء بطانة السوء في الداخل، والحاقدين على الإسلام في الخارج، مما جعل القرآن والسلطان، أو الدين والدولة في خطين متوازيين لا يلتقيان. [ ص: 61 ]
ضعف البصيرة بحقيقة الدين
ولا ريب أن من الأسباب الأساسية لهذا الغلو، هـو ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وقلة البضاعة في فقهه، والتعمق في معرفة أسراره، والوصول إلى فهم مقاصده، واستشفاف روحه.
ولا أعني بهذا السبب: الجهل المطلق بالدين، فهذا في العادة لا يفضي إلى غلو وتطرف، بل إلى نقيضه، وهو الانحلال والتسيب، إنما أعني به: نصف العلم، الذي يظن صاحبه به أنه دخل في زمرة العالمين، وهو يجهل الكثير والكثير، فهو يعرف نتفا من العلم من هـنا وهناك وهنالك، غير متماسكة، ولا مترابطة، يعنى بما يطفو على السطح، ولا يهتم بما يرسب في الأعماق، وهو لا يربط الجزئيات بالكليات، ولا يرد المتشابهات إلى المحكمات، ولا يحاكم الظنيات إلى القطعيات، ولا يعرف من فنون التعارض والترجيح ما يستطيع به أن يجمع به بين المختلفات، أو يرجح بين الأدلة والاعتبارات.
ورحم الله الإمام أبا إسحاق الشاطبي ، فقد نبه على هـذه الحقيقة بوضوح في كتابه الفريد (الاعتصام:2/173) فقد جعل أول أسباب الابتداع والاختلاف المذموم المؤدي إلى تفرق الأمة شيعا، وجعل بأسها بينها شديدا: أن يعتقد الإنسان في نفسه - أو يعتقد فيه - أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين، وهو لم يبلغ تلك الدرجة، فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا، وخلافه خلافا، ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع - يعني فروع الدين - وتارة يكون في كلي وأصل من أصول الدين - من الأصول [ ص: 62 ] الاعتقادية أو من الأصول العملية - فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هـدم كلياتها، حتى يصير منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هـو المبتدع، وعليه نبه الحديث الصحيح ( أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبض الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. ) [1]
قال بعض أهل العلم: تقدير هـذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله، وقد صرف هـذا المعنى تصريفا، فقيل: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين فخان، قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط ولكنه استفتي من ليس بعالم.
قال مالك بن أنس : بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: مصيبة نزلت بك؟ فقال: لا.. ولكن استفتي من لا علم عنده!

