يعيش السودان واحدة من أكثر مراحل تاريخه الحديث دموية وتعقيداً، في ظل تصعيد عسكري متسارع بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” المدعومة من الاحتلال الإماراتي، وتدهور إنساني غير مسبوق يطال المدنيين في إقليم دارفور وكردفان والنيل الأبيض، وصولاً إلى انهيار منظومات الرعاية الاجتماعية، وعلى رأسها دور إيواء الأطفال والمسنين.
إسقاط مسيّرات واستهداف منشآت حيوية
في تطور ميداني لافت، أعلن الجيش السوداني، اليوم الاثنين، إسقاط طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع حاولت تنفيذ هجمات نوعية على منشآت استراتيجية شمالي البلاد. وأكد مصدر عسكري أن المضادات الأرضية تصدت لمسيّرات استهدفت مناطق في مدينة مروي بالولاية الشمالية، شملت سد مروي، ومقر قيادة الفرقة 19، وقاعدة مروي الجوية.
وقالت الفرقة 19 مشاة، في بيان عبر صفحتها الرسمية، إن المسيّرات الانتحارية جرى إسقاطها قبل وصولها إلى أهدافها، مؤكدة عدم تسجيل أي خسائر بشرية أو مادية، في وقت يعكس تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة كسلاح رئيسي في الحرب الدائرة.
وفي سياق متصل، أفاد مصدر بوزارة الطاقة السودانية بتعرّض محطة توليد الكهرباء في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان لهجوم بطائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة، وسط جهود رسمية لحصر الأضرار وإعادة الخدمة.
دارفور تنزف: مئات الضحايا خلال أيام
على الجانب الإنساني، تتكشف في إقليم دارفور فصول مأساة متواصلة. فقد أفادت مصادر طبية بمقتل ما لا يقل عن 114 شخصاً خلال أسبوع واحد في هجمات متفرقة بالإقليم، في ظل احتدام المعارك وتبادل القصف بين طرفي النزاع.
وقال مصدر طبي في مستشفى الزُرق بولاية شمال دارفور إن 51 مدنياً قُتلوا جراء قصف بطائرات مسيّرة، بينما أشار مصدر طبي آخر في مستشفى كرنوي إلى مقتل 63 مدنياً وإصابة 57 آخرين خلال خمسة أيام، في هجمات نُسبت إلى قوات الدعم السريع.
وتحدثت منظمات حقوقية عن دمار واسع طال أسواقاً ومناطق سكنية، وسقوط ضحايا معظمهم من النساء والأطفال، في انتهاكات وُصفت بأنها “جسيمة” وترقى إلى جرائم حرب، مع مطالبات متزايدة بفتح تحقيقات دولية مستقلة.
تبادل اتهامات واتساع رقعة الهجمات
ومع تصاعد العمليات، تبادل الجيش والدعم السريع الاتهامات بشأن استهداف المدنيين والبنية التحتية. ففي ولاية النيل الأبيض، تعرضت مدينتا كنانة وعسلاية لهجمات بسرب من المسيّرات الانتحارية، ترافقت مع أصوات انفجارات كثيفة واشتباكات أثارت حالة من الذعر بين السكان، وامتدت آثارها إلى مدينة ربك، عاصمة الولاية.
في المقابل، قال المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان إن مسيّرات تابعة للجيش استهدفت بلدة غرير بشمال دارفور، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير سوق البلدة بالكامل، في حين تحدثت تقارير أخرى عن قصف مكثف على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، مع صعوبة حصر أعداد الضحايا بسبب انقطاع الاتصالات.
معارك كردفان ونزوح واسع
عسكرياً، شهدت ولايات كردفان الثلاث اشتباكات عنيفة خلال الأسابيع الأخيرة، أسفرت عن سيطرة قوات متحالفة مع الجيش على عدد من المدن والمناطق جنوب وشمال الأبيض، وفتح طرق استراتيجية كانت محاصَرة، في مقابل إعلان الحركة الشعبية – شمال سيطرة الدعم السريع على بلدات أخرى.
هذا التصعيد دفع عشرات الآلاف من السكان إلى النزوح، وفاقم من تدهور الأوضاع الإنسانية، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من شح الغذاء وانهيار الخدمات الصحية.
دور الإيواء… مأساة صامتة
بعيداً عن خطوط القتال، تتكشف مأساة أخرى لا تقل فداحة، تتمثل في انهيار دور إيواء الأطفال الأيتام وفاقدي الرعاية والمسنين. فقد تعرضت عشرات الدور للتدمير أو الإغلاق، ما أدى إلى تشريد آلاف النزلاء وحرمانهم من الرعاية الصحية والنفسية.
وكانت دور الإيواء في الخرطوم تضم قبل الحرب أكثر من 900 نزيل، بينهم أطفال خدّج ومسنون، لكن الحرب دفعت السلطات إلى نقل مئات الأطفال إلى مناطق نائية في ظروف إنسانية قاسية، وسط تقارير عن وفيات بسبب سوء التغذية والأمراض، وتسرب أطفال إلى الشوارع، وازدياد مخاطر الاتجار بالبشر.
ويحذّر عاملون ومتطوعون من أن غياب الإشراف الحكومي ووقف استقبال الأطفال المتروكين يفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة، ويقوض منظومة حماية اجتماعية كانت – رغم هشاشتها – تشكل خط الدفاع الأخير عن الفئات الأكثر ضعفاً.
حرب بلا أفق
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، خلّف الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عشرات الآلاف من القتلى، وشرّد نحو 13 مليون شخص، وسط تحذيرات أممية من واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.

