أكد الدكتور محمد عبد العاطي، وزير الموارد المائية والري الأسبق، أن البلاد تواجه ما وصفه بـ«كابوس الجفاف»، مشيرًا إلى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في نقص الموارد المائية، وإنما في التعرض لفترات زمنية محددة من الندرة الشديدة، التي قد تضرب عدة محافظات في توقيتات حرجة، في تحذير لافت يعكس حجم القلق المتصاعد بشأن مستقبل الأمن المائي في مصر.

 

وخلال لقاء تلفزيوني، أعاد عبد العاطي تسليط الضوء على تعقيدات ملف سد النهضة الإثيوبي، كاشفًا أن مسار المفاوضات شهد على مدار السنوات الماضية تقلبات حادة، تراوحت بين بوادر اتفاق محتمل وتراجعات مفاجئة من الجانب الإثيوبي، ما أدى إلى تعميق الأزمة وترك دول المصب أمام سيناريوهات مائية مقلقة.

 

الجفاف.. الخطر غير المرئي

 

وأوضح وزير الري الأسبق أن أخطر ما يواجه مصر حاليًا ليس الجفاف الدائم أو الانقطاع الكامل للمياه، وإنما موجات الجفاف المؤقتة المرتبطة بسوء إدارة الموارد وتوقيتات الملء والتشغيل، معتبرًا أن هذه الفترات القصيرة قد تكون أكثر تدميرًا للزراعة والأمن الغذائي من أي نقص مزمن.

 

وأشار إلى أن المحافظات، خاصة ذات الكثافة السكانية العالية والاعتماد الكبير على الزراعة، قد تتعرض لاختناقات مائية مفاجئة، وهو ما يستدعي استعدادًا فنيًا واستراتيجيًا متقدمًا.

 

إثيوبيا والسد.. كهرباء بلا أزمة مياه

 

وفي تقييمه للوضع المائي في إثيوبيا، أكد عبد العاطي أن التقديرات الفنية تشير إلى أن أديس أبابا لا تعاني في الأساس من أزمة مياه، إذ تمتلك موارد مائية متجددة وكبيرة، موضحًا أن الهدف الرئيسي من سد النهضة هو توليد الطاقة الكهرومائية، وليس تخزين المياه لأغراض الشرب أو الزراعة.

 

لكنه شدد في المقابل على أن أي إدارة غير منسقة لعملية ملء وتشغيل السد تلقي بأعباء ثقيلة على دول المصب، وعلى رأسها مصر والسودان، اللتين تعتمدان بشكل شبه كامل على تدفقات نهر النيل.

 

اتفاق إعلان المبادئ 2015.. نقطة تحول مثيرة للجدل

 

وفي سياق متصل، أعاد خبراء ومحللون في شؤون المياه طرح اتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015 إلى دائرة الجدل، معتبرين أنه شكّل نقطة تحول محورية في مسار الأزمة.

 

ويرى منتقدو الاتفاق أنه أقرّ ضمنيًا حق إثيوبيا في بناء السد دون أن يضع ضمانات ملزمة وواضحة لآليات التشغيل والملء، ما فتح الباب أمام فرض الأمر الواقع لاحقًا. ويذهب بعض المعارضين إلى أن الاتفاق منح أديس أبابا غطاءً سياسيًا وقانونيًا استُخدم لتجاوز الاعتراضات المصرية والسودانية.

 

في المقابل، تؤكد حكومة عبدالفتاح السيسي، أن الاتفاق كان يستهدف تنظيم التعاون المشترك ومنع الإضرار الجسيم بمصالح دول المصب، وأنه جاء في إطار محاولة احتواء الأزمة عبر المسار الدبلوماسي.

 

السودان نموذجًا للآثار المباشرة

 

وكشف عبد العاطي أن تداعيات بدء ملء سد النهضة لم تتأخر في الظهور، مشيرًا إلى أن السودان شهد بالفعل اضطرابات مائية ملحوظة، تمثلت في حالات جفاف مفاجئة أعقبتها فيضانات غير معتادة، نتيجة التغيرات المفاجئة في كميات المياه المتدفقة.

 

وأكد أن هذه الاضطرابات تمثل إنذارًا مبكرًا لما قد تواجهه المنطقة بأكملها حال استمرار غياب التنسيق والالتزام بقواعد واضحة لإدارة السد.

 

الأمن المائي.. قضية أمن قومي

 

وفي ختام حديثه، شدد وزير الري الأسبق على أن ملف المياه لم يعد مجرد قضية تفاوضية أو خلاف فني، بل بات مسألة أمن قومي من الدرجة الأولى، تتطلب تماسكًا داخليًا وقوة شاملة تجمع بين الحلول الفنية والضغط السياسي والدبلوماسي.

 

وأكد أن إدارة الموارد المائية في المرحلة المقبلة تستوجب تخطيطًا دقيقًا، واستثمارات مستدامة، ووعيًا مجتمعيًا بخطورة المرحلة، محذرًا من أن أي تهاون في هذا الملف قد يترك آثارًا عميقة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.