أشعل قرار السلطات المحلية في القاهرة بإغلاق وتشميع سوق ومعارض مدينة نصر للسيارات حالة غضب وارتباك غير مسبوقة في أوساط التجار والموزعين والمستهلكين على حدّ سواء. فالقرار الذي نُفّذ فجأة دون إنذار أو بدائل واقعية أوقف العمل في أهم مركز تجاري للسيارات الحديثة والمستعملة في مصر، بعد أن ظل لعقود مركز الثقل الرئيسي لتجارة وتمويل وتوزيع المركبات.
ووفق تقديرات رابطة تجار السيارات، يعتمد ما لا يقل عن 40% من حجم تجارة السيارات في مصر على هذا السوق وحده، ما يجعل القرار ضربة موجعة لصناعةٍ مترابطة يرتبط بها أكثر من 4.5 ملايين عامل مباشر وغير مباشر. ومع توقف النشاط، تجمدت آلاف الصفقات، وانكمش التداول، وتراجعت الأسعار بشكل فوضوي نتيجة غياب مؤشر سوقي مرجعي، بينما يحذّر الخبراء من تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة قد تمتد إلى قطاعات التمويل والتصنيع والخدمات.
قرار مفاجئ وصدام مع التجار
بحسب المستشار أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات، جاء قرار الغلق “بدون سابق إنذار وبطريقة قسرية”، حيث رفعت السلطات عدادات الكهرباء من المعارض وأغلقت الأبواب بالسلاسل، ما أجبر المئات من التجار على وقف نشاطهم بالكامل. وتوجه أصحاب المعارض إلى القضاء الإداري لوقف القرار الذي وصفوه بأنه “غير قانوني ومخالف للكتاب الدوري رقم 325 لسنة 2025” الصادر عن وزارة التنمية المحلية، والذي يمنح مهلة حتى نهاية عام 2027 لتوفيق الأوضاع ونقل المعارض إلى مواقع جديدة.
الهجمة المفاجئة تركت آلاف الاستثمارات في مهب الريح، إذ لم يُسمح لأصحاب المعارض بدخول مقارهم أو تأمين سياراتهم المعروضة، وسط مخاوف من النهب والسرقة. ويؤكد التجار أن ما جرى ليس مجرد إجراء محلي، بل جزء من خطة أوسع لنقل معارض السيارات بالكامل إلى مجمعات جديدة على الطرق السريعة، تابعة لشركات وطنية وجهات سيادية، رغم أن هذه المواقع ما زالت شبه خالية ومرتفعة التكلفة وصعبة الوصول للمتعاملين.
ردود الفعل الغاضبة امتدت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصدّر وسم #سوق_مدينة_نصر المنصات خلال ساعات، وسط تنديد واسع من العاملين في القطاع الذين وصفوا القرار بأنه "إعدام لسوق السيارات المصري"، مؤكدين أن الحكومة تتصرف بعشوائية دون دراسة آثار القرار على ملايين الأسر التي تعتمد على هذا النشاط كمصدر رزق أساسي.
ارتباك الأسعار وشلل في السوق
مع توقف أكبر نقطة تجمع للعرض والطلب، سادت حالة فوضى سعرية شاملة داخل السوق المصري. فرغم توقعات بعض التجار بارتفاع الأسعار بسبب قلة المعروض، إلا أن ما حدث كان العكس: تراجعت أسعار سيارات كثيرة، خاصة المستعملة، نتيجة ارتباك حركة البيع وغياب الثقة.
رصدت جولات ميدانية لـ"العربي الجديد" تراجعًا ملحوظًا في سيارات الفئات القديمة، وانخفاضات في الطرازات الشعبية الحديثة التي كانت تُباع بأسعار تقترب من الجديدة، فيما امتنع المشترون عن الشراء ترقبًا لما ستؤول إليه الأزمة.
تجار آخرون حذروا من انتقال النشاط إلى السوق الموازية غير الرسمية في الأحياء الشعبية والطرقات الخارجية، حيث تنتشر تجارة السيارات دون رقابة أو ضمانات قانونية. هذا الانفلات المتوقع يعيد السوق إلى ما قبل تنظيمه في التسعينيات، حين كانت عمليات البيع تتم عشوائيًا في الشوارع دون توثيق أو فحص فني.
كما تضررت بشدة سلاسل التمويل والتوريد بين الوكلاء والبنوك وشركات التقسيط، وألغيت اتفاقات توريد وتمويل كانت تعتمد على مكاتب السوق لإتمام عمليات البيع والرهون البنكية. ويؤكد محللون أن هذا التوقف المفاجئ سيؤثر أيضًا على مصانع التجميع المحلي التي تعتمد في جزء من مبيعاتها على موزعي السوق الرئيسيين.
خلفيات سياسية واقتصادية لقرار مفاجئ
تتزايد التكهنات حول خلفيات القرار، إذ يربط كثير من التجار بين غلق الأسواق القديمة ومحاولات الحكومة دفع القطاع للانتقال إلى مشروعات عقارية وتجارية جديدة أقيمت مؤخرًا على الطرق الدائرية، وتديرها جهات سيادية تبحث عن تشغيل سريع لتلك المجمعات.
لكن الواقع – وفق ما يقوله المتعاملون – أن هذه المواقع الجديدة لا تمتلك البنية التجارية أو الثقة المطلوبة، ولا توفر بيئة البيع والتمويل التي تميز سوق مدينة نصر. فالمسافات بعيدة، وتكاليف الإيجار باهظة، وحركة المشترين شبه معدومة.
يجادل مسؤولون محليون بأن القرار هدفه “تنظيم العشوائيات وتقليل الزحام في المناطق السكنية”، لكن إغلاق السوق قبل بناء بدائل فعّالة يهدد بانهيار كامل في القطاع التجاري للسيارات. الحلول التي طرحتها رابطة تجار السيارات تضمنت منح مهلة انتقال لا تقل عن عامين، وإقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص لإنشاء مجمعات حضارية حقيقية داخل المدن، بدل تجفيف النشاط وإجبار التجار على الرحيل قسرًا.
في المحصلة، كشف غلق سوق سيارات مدينة نصر عن هشاشة إدارة الدولة للقطاع الاقتصادي، القائم على القرارات الفوقية لا الحوار، وعلى إرضاء مصالح فئة صغيرة على حساب آلاف المستثمرين والعمال. الأزمة لم تكن مجرد نزاع إداري، بل تجسيد لحالة التخبط في الإدارة الاقتصادية، حيث تغيب الشفافية، وتُتخذ القرارات المصيرية دون حساب لعواقبها على سوقٍ يمثل أحد أهم مؤشرات ثقة المستهلك المصري.

