تصاعدت موجة غضب واسعة على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) ضد نوايا محافظة الإسكندرية ووزارة النقل في حكومة السيسي بإيقاف ترام الرمل تمهيداً لما وصفوه بـ"التطوير".

 

أطلق ناشطون وكتاب وصحفيون وسكان المدينة هاشتاجات مثل #لا_لإيقاف_ترام_الإسكندرية و#ترام_إسكندرية للتعبير عن رفضهم القاطع لقرار يرون فيه طمساً لهوية المدينة وذاكرتها الجماعية.

 

الترام الذي يعود تاريخه إلى عام 1863، ويُعد أحد أقدم وسائل النقل في الشرق الأوسط، يمثل جزءاً أصيلاً من وجدان السكندريين وذاكرة مدينتهم العريقة.

 

غياب بيان رسمي واضح يحدد البدائل أو توقيت التنفيذ، وتضارب التصريحات بين هيئة النقل العام التي تنفي صدور قرار نهائي ومحافظ الإسكندرية الذي يعلن بدء العمل في يناير، أثار حالة من القلق والإرباك بين المواطنين.

 

الحملة كشفت عن تباين حاد بين الرؤية الرسمية التي تتحدث عن "التحديث والتطوير"، والرؤية الشعبية التي تتمسك بالرمزية التاريخية والاجتماعية للترام، في جدل أوسع حول كيفية التوفيق بين التنمية والحفاظ على التراث في مصر.

 

إجبار بالأمر الواقع: المقاولون والسبوبة على حساب الذاكرة

 

عبر منصة "حقوق الأشجار #لا_لقطع_الأشجار"، وصف أحمد هارون قرار إيقاف الترام بأنه "إجبار الأمر الواقع لمحافظة الإسكندرية، مش فارقة معها رأي الناس المعترضة على المشروع، ولا حتى شكل المدينة اللي بنعرفه من عمرنا، ولا فارقة معاها الازدحام اللي حيحصل، كل اهتمامهم لشركات المقاولين الحرامية اللي هدفها الوحيد السرقة والربح السريع على حسابنا".

 

هارون اتهم صراحة "شركات الفحم التابعة لهم، اللي بتقطع الأشجار وحتزيل كل أشجار الترام وتنشر الخراب وتحول المدينة لمكان مش قابل للعيش، وكل ده تحت غطاء مشاريع التنمية اللي ما لهاش أي معنى إلا لصالح جيوبهم".

 

واعتبر هارون أن "ترام الرمل المعلق مشروعهم مجرد لعبة على حسابنا، محطة الرمل اللي كانت قلب المدينة، مكان كل ذكرياتنا، هتتحول لمكان فارغ وميت، وإحنا بنبص ونشوف كل ده بيحصل بعينينا، من غير أي اعتبار لرأي الناس أو مستقبل أولادنا".

 

ورأى أن "الإسكندرية بتنهار من تحت إيدينا، وكل اللي بيعمله المسؤولون والمقاولون والشركات دي هو تغيير شكل المدينة للأبد، من غير أي رحمة أو تفكير في اللي بيعيش هنا".

 

بنفس النبرة الغاضبة، كتب محمد علون "ودع ترام الرمل ومعه أشجاره لصالح خرسانة رديئة قبيحة من أجل السبوبة، وكله بالقروب التي نرفعها من دمنا بينما ينعم المقاولون والفاسدون بأرباح جبارة تسمح لهم ببناء فيلات الـ100 مليون وسيارات الـ10 مليون".

 

https://x.com/mohelwan/status/2005867158228619776

 

وقال جاليليو "الترام أفضل وأرخص مواصلة تخدم الناس وواجهة حضارية، مصر كانت من أوائل دول العالم اللي دخلوا ليها الترام والقطار، ومن قبل دمروا ترام القاهرة، وكل ما هو جميل من حدائق وأشجار، ناس ضد راحة الشعب وجمال البلد".

 

https://x.com/2Galello73/status/2006349603977957753

 

طمس الهوية والذاكرة الجماعية: "حكم الهمج لا يحترم القيم"

 

المغردون شددوا على أن الترام ليس مجرد وسيلة مواصلات عادية، بل "ذاكرة جماعية" تربط أجيالاً من سكان الإسكندرية وجزء لا يتجزأ من صورة المدينة السياحية والثقافية عالمياً.

 

حساب @aserasorat أثار ما أثاره آخرون عبر إكس بأن إيقاف ترام الإسكندرية "إجبار بالأمر الواقع لمحافظة الإسكندرية، مش فارقة معاها رأي الناس المعترضة على المشروع، ولا حتى شكل المدينة اللي بنعرفه من عمرنا، ولا فارقة معاها الازدحام اللي حيحصل".

 

https://x.com/aserasorat/status/2006272321141530742

 

وعلقت تقى "مدينة قديمة عندها هوية بصرية مربوطة بترام قديم قابل للتجديد، نشيله خالص ونغير من هوية المدينة بالكامل في سبيل التطور، وفي المدن الجديدة نعمل مسابقة عشان نطلع هوية بصرية مميزة للمدن دي، اللهم صلى على النبي".

 

https://x.com/To2a__M/status/2005545208902283450

 

وعبرت مشالي عن حزنها قائلة "بحاول مصدقش الموضوع ده عشان مش قادرة أتخيل أن في يوم من الأيام الترام وكل ذكرياتها هتبقى ذكرى بجد، اللي هو ابقى بقول لعيالي أصلاً إنه كان فيه حاجة اسمها ترام".

 

https://x.com/aliaa_mashaly/status/2005416693649350771

 

الإعلامي نور الدين عبد الحافظ لخص الموقف في جملة واحدة حادة عبر هاشتاج #ترام_الإسكندرية قائلاً: "حكم الهمج لا يحترم القيم".

 

https://x.com/noureldinmoh/status/2005407522564493783

 

وكتب محمد عبده مستعرضاً التاريخ: "1860 بدأ تشغيل ترام الإسكندرية (ترام الرمل الأزرق) كأول وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، يجرها حصان، 1896 افتتاح أول خط ترام كهربائي في القاهرة، ربط ميدان العتبة بالقلعة، وكان يُعرف بـالتروماي".

 

تضارب الروايات الرسمية: من نصدق؟

 

نفت هيئة النقل العام صدور قرار نهائي بوقف الترام، مؤكدة أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة، وأن الإيقاف مؤجل إلى ما بعد أعياد رأس السنة، وأن الهدف هو تطوير شامل يواكب المعايير العالمية.

 

لكن محافظ الإسكندرية أحمد خالد قال في تصريحات صحفية متناقضة: إن "العمل في مشروع إعادة تطوير وتأهيل ترام الرمل يبدأ في شهر يناير مطلع العام الجديد، ويستغرق عامين من العمل، فيما يستغرق العمل في مشروع قطار أبي قير نحو عام، ويأتي التصريح في ظل اهتمام واسع من سكان المحافظة بمصير الترام التاريخي، والذي يشهد الأيام الجارية آخر أيام عمله بشكله الحالي، تمهيداً لتطويره".

 

هذا التضارب الصارخ بين نفي هيئة النقل وتأكيد المحافظ زاد من حالة الارتباك والقلق بين المواطنين، حيث طرح كثيرون السؤال الساخر: "فمن نصدق؟".

 

غياب خطة واضحة وشفافة من وزارة النقل، وعدم الإعلان رسمياً عن بدائل النقل أو الجدول الزمني الدقيق للتطوير، عزز شكوك السكندريين في أن القرار مُتخذ فعلاً رغم الإنكار الرسمي.

 

بعض المغردين أشاروا إلى أن المشروع ممول دولياً، وأن التأخير قد يؤدي إلى خسارة التمويل، لكنهم طالبوا بإيجاد حلول لا تمس التراث ولا تطمس هوية المدينة.

 

حساب @jj911i قارن الوضع بمدن أخرى قائلاً: "قرار سيئ جداً، جدة ضعيفة في وسائل النقل، لا يوجد أرصفة مناسبة أو تشجير يشجع على المشي، ولا شبكة باصات تغطي كامل المدينة على مدار اليوم، ولا مترو أو ترام، ومع ذلك تُفرض رسوم على مواقف السيارات، فعلاً، هزلت".

 

https://x.com/jj911i/status/2005607392248222179

 

حملة رفض إيقاف ترام الإسكندرية على "إكس" تمثل نموذجاً حياً لتفاعل المجتمع مع قضايا التراث والتنمية في مصر. الأصوات الغاضبة تعكس شعوراً عميقاً بأن القرار يتجاهل القيم والهوية والذاكرة الجماعية لصالح مصالح المقاولين والفساد.

 

التحدي الحقيقي يبقى في تحقيق معادلة تحفظ للمدينة تاريخها وتلبي احتياجاتها الحديثة، دون طمس ما تبقى من روحها وذاكرتها.