في الوقت الذي تتشدق فيه "حكومة الانقلاب" بإنجازات هلامية ومشروعات دعائية، يواجه التراث المصري في منطقة سقارة، أحد أعظم شواهد الحضارة الإنسانية، خطر الاندثار البطيء. صرخات التحذير التي أطلقها خبراء الآثار لم تجد آذاناً صاغية لدى نظام لا يرى في الآثار سوى "سلعة" للدولار أو خلفية لالتقاط الصور في المؤتمرات الدولية، بينما يترك الجسد الأثري الحقيقي ينهشه الإهمال، والمياه الجوفية، والزحف العشوائي.

 

أبو الهول يئن: عوامل التعرية أم تعرية النظام؟

 

كشف الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري، في تصريحاته عن كارثة حقيقية تهدد "جسم أبو الهول" وأحجار الأهرامات، حيث تضرب الرياح القوية والتغيرات المناخية ملامح هذه الآثار دون أي تحرك جاد للصيانة أو الترميم الدوري.

 

إن ما يحدث ليس مجرد "تغير مناخي" كما تحاول الحكومة تبرير فشلها، بل هو نتيجة مباشرة لغياب الرؤية العلمية وتدني مخصصات الترميم الحقيقي، في مقابل إنفاق المليارات على "الكباري" والخرسانات التي تخنق القاهرة. إن ترك هذه الصروح العظيمة تواجه مصيرها المحتوم أمام عوامل الطبيعة هو جريمة لا تقل فداحة عن تدمير الآثار عمداً، وتكشف زيف شعارات "الجمهورية الجديدة" التي تعجز عن حماية "الجمهورية القديمة".

 

مستنقعات الصرف الصحي.. عندما تغرق الحضارة في "المجاري"

 

لعل الفضيحة الأكبر التي كشفها التقرير هي حصار مياه الصرف الصحي والمياه الجوفية للمنطقة الأثرية، مما يؤدي إلى تآكل النقوش وتلف المقابر بفعل الرطوبة والأملاح.

 

كيف لنظام ينفق تريليونات الجنيهات على "عاصمة إدارية" في الصحراء أن يعجز عن تجديد شبكة صرف صحي في منطقة تُدر ملايين الدولارات من السياحة؟ الإجابة واضحة: أولويات هذا النظام مقلوبة، حيث يفضل الاستعراض الخرساني على حماية التاريخ، تاركاً كنوز سقارة تغرق حرفياً في مياه الصرف، في مشهد يلخص حالة الترهل الإداري والفساد الذي ينخر في عظام الدولة.

 

العشوائيات.. حصار "الفقر" الذي صنعه النظام

 

أشار الخبير الأثري إلى "الكتلة السكانية" و"البناء العشوائي" في نزلة السمان وشبرا منت كخطر داهم. لكن، من صنع هذه العشوائيات؟ أليس هو الفقر الذي أغرق فيه النظام هذه المناطق، وغياب التخطيط العمراني، وترك المواطنين فريسة للجهل والعوز؟

 

بدلاً من تطوير هذه المناطق ودمج سكانها في منظومة سياحية حضارية، يتعامل النظام معهم بمنطق "الجرافة"، مهدداً بتهجيرهم دون حلول جذرية، مما يخلق بيئة عدائية بين المواطن والأثر، ويزيد من حالة الاختناق المروري والفوضى التي يراها السائح، والتي تتنافى تماماً مع أكذوبة "الجذب السياحي".

 

سياحة "الجباية" لا سياحة "الخدمات"

 

يتحدث الخبراء عن ضرورة وجود "أسواق سياحية عالمية" وخدمات تليق بالزوار، لضمان تكرار الزيارة. لكن الواقع يشهد أن النظام يتعامل مع السائح بمنطق "الجباية"، حيث تذاكر دخول باهظة مقابل خدمات متدنية، وطرق متهالكة، وغياب تام للنظافة والنظام. إن الطفرة المزعومة في المتاحف الجديدة لا تعني شيئاً إذا كان السائح يخرج من منطقة الأهرامات وسقارة بانطباع سلبي عن الفوضى والتحرش وغياب الأمن.

 

ختاماً، إن مرور 100 عام دون تطوير شامل لمنطقة سقارة هو وصمة عار، لكن استمرار هذا الوضع في ظل نظام يدعي "النهضة" هو الكارثة بعينها. إن إنقاذ سقارة لا يحتاج إلى مؤتمرات وقروض جديدة، بل يحتاج إلى "إرادة سياسية" غائبة، ونظام يدرك أن قيمة مصر في تاريخها وحضارتها، وليست في ناطحات سحاب زجاجية بلا روح. ما لم يتم تدارك الأمر فوراً، فإن "حكومة الانقلاب" ستسجل في التاريخ بأنها الحقبة التي دُفنت فيها آثار الفراعنة تحت ركام الإهمال والفساد.