في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق، كشفت بيانات رسمية كارثية عن تحول المجتمع المصري إلى "مجتمع غارمين" بامتياز، حيث لم يعد المواطن قادراً على تدبير قوت يومه إلا عبر الاستدانة. فقد أعلن الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن سوق التمويل الاستهلاكي يشهد تضخماً مرعباً ينذر بـ"فقاعة" قد تطيح بما تبقى من استقرار مالي للأسر المصرية، مؤكداً أن الأرقام المعلنة ليست سوى قمة جبل الجليد في دولة أدمنت حكومتها الفشل وتصدير الأزمات للمواطنين.
اقتصاد "الشحاتة" وسياسة الإفقار المتعمد
تشير الأرقام الصادمة الصادرة عن هيئة الرقابة المالية إلى أن قيمة التمويل الاستهلاكي قفزت بنسبة 57% لتصل إلى 66 مليار جنيه خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025. هذه الطفرة ليست دليلاً على انتعاش اقتصادي كما يروج إعلام النظام، بل هي وثيقة إدانة لسياسات الإفقار الممنهج التي حولت الطبقة المتوسطة إلى فقراء، والفقراء إلى معدمين يلهثون وراء شركات التقسيط لتوفير أبسط ضروريات الحياة من مأكل وملبس، وحتى الأجهزة المنزلية الأساسية.
لقد دفع تدهور العملة المحلية والارتفاع الجنوني في الأسعار المواطنين إلى ما أسماه د. نافع بـ"الاستهلاك الدفاعي"، حيث لم يعد الاقتراض وسيلة للرفاهية، بل طوق نجاة زائف للهروب من الجوع والعوز. ومع غياب أي شبكة حماية اجتماعية حقيقية، تخلت الدولة عن دورها وتركت المواطن فريسة لشركات التمويل التي تحقق أرباحاً طائلة من وراء معاناته.
"كرة الثلج".. القنبلة الموقوتة
التحذير الأخطر الذي أطلقه الخبراء هو أن هذا التوسع غير المحسوب في الإقراض الاستهلاكي يخلق "فقاعة" ديون ضخمة. فمع زيادة أعداد المقترضين بنسبة 180%، وتراجع الدخول الحقيقية، بات واضحاً أن قدرة المصريين على السداد تتآكل يوماً بعد يوم.
إن النظام الذي فشل في خلق فرص عمل حقيقية أو تحقيق نمو اقتصادي ينعكس على المواطن، يلجأ الآن إلى "تخدير" الشعب بفتح صنابير القروض، متجاهلاً أن هذه الديون ستتحول قريباً إلى قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه الجميع، من بنوك وشركات تمويل، وصولاً إلى استقرار المجتمع نفسه الذي بات مهدداً بظاهرة "الغارمين" الجماعية.
فساد الأولويات.. ونهاية الطبقة المتوسطة
بينما ينشغل النظام ببيع أوهام "الجمهورية الجديدة" وإنفاق المليارات على مشاريع "الشو" الإعلامي التي لا طائل منها، يُترك المواطن وحيداً ليواجه مصيره. إن ارتفاع تمويل شراء الأجهزة الكهربائية والسيارات ليس دليلاً على الرفاهية، بل هو محاولة يائسة من الأسر للحفاظ على مظهر اجتماعي يتداعى، أو لاستبدال سلع معمرة لم يعودوا قادرين على شرائها نقداً بسبب التضخم الذي صنعته يد الحكومة.
إن ما يحدث هو جريمة اقتصادية متكاملة الأركان، حيث يتم إغراق الشعب في الديون لإخفاء فشل السياسات الحكومية، وتحويل مصر إلى سوق استهلاكي كبير يخدم مصالح فئة ضيقة من المنتفعين، بينما يدفع السواد الأعظم من الشعب الثمن من حاضره ومستقبله.
إلى متى الصمت؟
إن "فقاعة التمويل الاستهلاكي" ليست مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هي إعلان صريح عن إفلاس النظام في إدارة شؤون البلاد. لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن استمرار هذه السياسات الرعناء لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب، وأن الحل لا يكمن في مزيد من القروض والديون، بل في رحيل هذه المنظومة الفاشلة التي لم تجلب لمصر سوى الفقر والذل والتبعية.

