يتردد اليوم، في الأوساط المالية والاقتصادية الدولية، صدى انهيار نظام التجارة العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي، فما فعله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب أول من أمس الأربعاء، يتشابه، إن لم نقل يزيد، عن الذي فعله الرئيس الأميركي الأسبق هربرت هوفر في عشرينيات القرن الماضي، وكان وقتذاك، السبب المباشر بحدوث الكساد العظيم وانهيار أنشطة التجارة.
وللتذكير بتاريخ بعيد نسبياً، منذ نحو قرن أو أقل بقليل، رفع هوفر، الرئيس الحادي والثلاثون للولايات المتحدة الأميركية، الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية، وفق ما عرف وقتذاك بقانون "سموت-هاولي"، مشرعاً سيف الحمائية بوجه جميع الدول والشركاء التجاريين لبلاده، بعدما رفع الرسوم على الواردات بنسبة 40% عام 1929 وألحقها برفع ثان بنحو 60% عام 1932 ليسبب ما يُعرف بـ"الكساد الكبير" أو يأذن له، بعد مخاوف دولية من التضخم وإعلان سياسات التشديد النقدي، عبر رفع الفوائد المصرفية والتحوّط التجاري، ما أعجز المصارف المركزية حول العالم، ومنها البنك الفيدرالي الأميركي، عن الاستجابة لانهيارات المصارف التي زادت نسبة سعر الفائدة عندها عن أرباحها وبدأت بالانهيار، ما أدى إلى حدوث انكماش حاد بالمعروض النقدي وأدخل العالم، كل العالم، بالكساد الكبير.
قصارى القول: بخيلائه المعهودة واستخفافه بعقابيل قراراته على الآخرين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض تعرفات جمركية أميركية على كل دول العالم، ستغيّر على الأرجح ولو بعد حين، وجه الاقتصاد العالمي، لجهة الركود وتكاليف المعيشة وحجم الإنتاج وحركة التجارة وتدفق الصادرات والواردات، وأغلب الظن لن تسلم واشنطن، مستهلكين ومنتجين، من شرر تلك التداعيات.
فمن حديقة البيت الأبيض ظهر "سيد العالم" حاملا لوحة كبيرة تضمنت قائمة بنسب التعرفات الجمركية، وراح يستعرض قراراته ومبرراً أسبابها، من دون أن يفته وعيد من يعامله بالمثل أو لا يخفض الرسم على المنتج الأميركي "ستحاسب الدول التي تعاملنا بشكل سيئ".
ليس من الصعب اكتشاف المستهدفين الأهم من رسوم ترامب الجمركية، إذ برفع الرسوم بنحو 34% على الصين، صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم، والتي تهدد بقاء الولايات المتحدة على عرض الإنتاج والتصدير، دليل، وبنحو 20% على الاتحاد الأوروبي، مؤشر على معاقبة "القارة العجوز" التي لا تروق لترامب، لا كشريك تجاري ولا حتى سياسي وعسكري، كما بنسبة 24% على الواردات من اليابان، ملمحاً لبقاء الخطر الياباني بعيداً عن المنافسة.
ربما جاء رفع الرسوم بنسب كبيرة على دول أخرى، لكنها ليست بالوزن أو المخاوف التي تمتلكها الصين أو بالحساسية التي تشكلها أوروبا سياسيا واقتصاديا، فجنوب أفريقيا نالها من قرارات ترامب 30% وسويسرا 31%، وقفزت نسبة الرسوم بوجه الصادرات الكمبودية إلى 49% ليبقى لبريطانيا، بعض خصوصية ورفع لم يتجاوز 10%.، وهي النسبة التي شملت العديد من الدول العربية ومنها مصر والسعودية وقطر والإمارات.
الرسوم في يوم ما أسماه ترامب "يوم تحرير" الاقتصاد الأميركي، بداية أحلام لزيادة الوظائف وتهافت المصانع لداخل الولايات المتحدة، وبتخفيض معدلات الضرائب. ولكن تلك الأحلام من منظور تاجر متغطرس، وليست من منطلق علمي أو اقتصادي منطقي يقول وببساطة: سيأتي الرد الدولي برفع الرسوم لتدخل التجارة العالمية بدوامة البطء من ثم الجمود والركود وتنعكس على السياسات المالية والنقدية وتطاول آثارها رفع الأسعار والمستهلكين والمصارف والإنتاج... وعلى الأرجح أن يعيد تاريخ الكساد الكبير نفسه.
نهاية القول: لن نأتي تفصيلاً على الأثر المباشر لرسوم ترامب الجمركية على المستهلك الأميركي، من جراء ارتفاع الأسعار وقلة العرض السلعي المستورد، وخاصة من الصين، لأن الإنتاج الأميركي لن ولم ولا يمكن أن يلبي جميع متطلبات المستهلك، بل وإن لباها، لا يمكن أن تبيع الشركات الأميركية أو التي تنتج داخل الولايات المتحدة، خاصة التي تستورد بعض مكونات الإنتاج، بأسعار الأمس وتجر نفسها، بعد أن ترفع الدول الرسوم بوجه أميركا، لفخ الخسائر. بل سنعرّج على أثر قنبلة ترامب على التكاليف المعيشية والتجارة الدولية التي تعاني أصلاً، من ركود آخر تبعات "كورونا" وتعاني سلاسل توريدها من مخاطر وارتفاع أسعار ورسوم، بسبب الأحداث، خاصة بالدول المحيطة بالمضائق البحرية والممرات التجارية.
فوفق دراسة أجراها صندوق النقد الدولي في عام 2023، إن فرض تعرفة جمركية بنسبة 10% على الواردات سيؤدي إلى ارتفاع في التكلفة بنسبة 3.5% للدول المستوردة، مع خلق ضغوط تضخمية واضحة على قطاعات الإنتاج، فضلاً عن أثر رفع الرسوم بإيصال الشحنات التجارية وما تسببه من خلل بالمعروض وبالتالي ارتفاع بالأسعار.
كما ستعيد رسوم ترامب الجمركية عهد الحمائية التجارية وتسرّع، على الأرجح تصدّع نظام العولمة وبتفجير النظام التجاري العالمي، وتتبدى تباعاً عواقبه على انكماش التجارة العالمية وتباطؤ النمو ليليه الركود... أو ما هو أسوأ.
وربما، وليس بذلك تمادٍ بالتفكير أو جموح بالأماني، تكون رسوم ترامب الجمركية المرتفعة، بداية لنهاية النفوذ الأميركي، وقت لا يكفي الإنتاج السوق الأميركية أو حتى القوة العسكرية لإخضاع الدول وإبقائها بالحظيرة الأميركية.
أما ما يتعلق ببلدان شرقنا التعيس، فثمة حلول محددة ومحدودة، بما أن الناتج الإجمالي للدول العربية مجتمعة لا يساوي القيمة السوقية لشركات عالمية كبرى مثل "آبل" و"غوغل" و"مايكروسوفت". ولعل التوجه شرقاً نحو الصين، هو الحل الأمثل، للدول والمستهلكين، وإعادة إحياء وتطوير العلاقات العربية الأوروبية، حل أيضاً، إلا أن العصا الترامبية الغليظة، لكل من يخرج عن بيت طاعته، قد لا تحيل تلك الحلول لمواقع التطبيق.