خلال زيارته محافظة المنيا، سأل وزيرُ الصحّة المصري، خالد عبد الغفار، مواطنين عن مستوى الخدمات العلاجية.
وردّاً على السؤال، أظهر بعض مرضى الفشل الكلوي استحساناً لتطوير المشفى، مع التذمّر من طريقة التعامل، وطول أوقات الانتظار.
إلى هذا الحدّ، المشهد عادي، مرضى يقيّمون الخدمة وينتظرون استجابةً مناسبةً، ويتوقّعون من السائل، بحكم دوره وسلطته، أن يزيل عن كاهلهم أسباب الشكوى، ما يخفّف المعاناة ويحفظ الكرامة، لكن الحديث بعفويةٍ ووضوح، وغياب الإطراء المصطنع في مثل هذه المناسبات، لم يُعجب الوزير، ولم يتجاوب بما هو متوقّع، واتخاذ ما يلزم، وإبداء التفهّم للتظلّم، بل بدا مُحبطاً، وأعلن أمام الكاميرات استغرابه، وأنه فوجئ من غياب كلمة شكر واحدة في جولته الميدانية، ما يعنى في تصوّره تجاهل المواطنين جهود الدولة، وضمنياً دوره، ما دفع الوزير إلى خوض مبارزة كلامية مع المرضى، وفي درس تربوي يحمل توبيخاً، ويستند إلى صيغ الضبط الاجتماعي للسلوك، وضرب مثالاً عن علاقة ربّ العائلة بأهل بيته، قائلاً: نبدأ بالشكر أولاً قبل الشكوى، أنتم صعايدة لا يفوتكم الأصول، فردّ بعض المرضي بالشكر، ودُهش آخرون، حين أنهى الدكتور نائب رئيس الوزراء لشؤون التنمية، حواره، بما يوحي بالانتصار على المرضى (أحرجتكم أنا).

 

هذا المشهد البائس، وزجر مواطن بسبب شكواه، ودفعه إلى أن يظهر الامتنان لسلطةٍ تفتقد مسوّغات الرضى، ليس موقفاً عابراً، بقدر ما أنه مشهدٌ دالّ، تتكرّر مضامينه وإن اختلفت العبارات، وأحياناً يتّخذ النقد الاجتماعي ثوب الإصلاح، ولكن لا يغيب منه ضيق السلطة بأيّ دور يتعلّق بتنظيم الخدمات وتوفرها، وتسيير شؤون المجتمع، وهي ترى هذا الدور صعباً، لا نتاج خطٍّ في سياساتها أو طرائق إدارتها، أو سوء توظيف الموارد.

لكن لأن طلبات المواطن تمثّل عبئاً على الدولة، وسلوكياته تعيق خطوات الإصلاح وتحقيق التنمية، فالمواطن، حسب الصورة التي ترسمها الدولة، لا يعمل بشكل كافٍ، يستيقظ متأخّراً، ينجب أكثر ما يزيد عدد السكّان، وتلتهم هذه السلوكات الموارد، وتحجب عوائد التنمية من الظهور، فتبقى الأزمات وتزداد. وبمنظور طبقي، كأنّ الدولة شركة استثمارية، يلتهم المواطنون الفقراء، متلقّو الدعم، الموازنة العامّة، ولا يُسهمون في التمويل، ولا في الوعاء الضريبي، ولا تضيف هذه الفئات إلى الناتج القومي، وحين يحصل واحدُهم على خدماتٍ مدعّمة، يتململ، ولا يُظهر شكراً ولا رضىً، بينما رجال البيروقراطية، ذوو كفاءة، لا يدّخرون جهداً، يبنون الدولة التي استلمتها سلطة 30 يونيو (2013) كانت "خرابة"، ومن دون هذا الدور، كانت البلاد ستغرق في الأزمات، لا قدّر الله، ما يزيد أحاسيس القلق، وعدم الاستقرار، ومعها ستواجه مصر ظروفاً صعبةً، داخلياً وخارجياً، لكن هذا لم يحدُث، حسب ماكينة الإعلام والدعاية، ويرجع الفضل للقيادة الاستثنائية.

وأمام هذه السردية، على الشعب (دائماً وأبداً) أن يعترف بأفضال الحكومة، ويُقدّر شخوصها، ويُظهر التأييد والشكر. إلى جانب ذلك، تتصوّر قيادات البيروقراطية أن جهاز الدولة كيانٌ مملوكٌ لمن يديرونه، وليس لملاحظات المواطنين وآرائهم أهمية أو تأثير، فهم (كما معارضو النظام) لا يفهمون ماذا تعني الدولة، وعلى المجتمع الاقتناع بضخامة الإنجازات، وإبداء الثناء.

يُظهر هذا التصوّر المتعالي إدمان البيروقراطية مظاهر المديح، ويشعرهم بالطمأنينة والقبول الشعبي، حتى لو كانا مصطنعين ودعائيين.
وفي تصوّرهم أن حشد المؤيّدين، وإن كان مصنوعاً حتى، يدعم شرعية الإنجاز، ومع غياب آليات المحاسبة في ظلّ نظام سلطوي، ينسى متّخذو القرار أنهم موظّفون عموميون، يتطلّب عملهم تنفيذ الخطط وتقييم مخرجاتها، وإصلاح النقائص وسماع الناس، فيصبح التعبير عن الاستياء غير محتملٍ وتجاوزاً، وخروجاً عن صيغ الضبط والأصول، ممارسةً مزعجة، ما يحيل على القول إن الدعاية والضبط سمتان لا يمكن أن يحيا من دونهما أيّ نظام سلطوي وهو يحاول الاستمرار.
لذا، يسعى إلى تحصين أفراد الحكم ورموزه، إلى جانب حشد التأييد جداراً يصدّ سهام النقد.

من هذه التصوّرات حول صورة النظام في مصر، ورؤيته إلى موقع المواطن ودوره، جاءت تعبيرات الوزير وردوده على المرضى بضرورة البدء بالثناء على الدولة (وجهوده ضمناً)، قبل الشكوى، مؤكّداً على إظهار الامتنان، ويشاركه آخرون في التصوّرات ذاتها من رجال السلطة التي تتّصف خطاباتها باللوم والتعالي على الناس، وترتبط بعوامل تاريخية، وأخرى بأجهزة الإعلام، وهي لصيقة الصلة بالنظام السلطوي، وليست مجرّد خطاً، أو تصرّف لوزيرٍ يفتقد الحسّ السياسي، كما يقول بعضهم ويبرّرون، في تعبير مراوغ، هذا لأن صاحب الخطاب شغل موقعَي وزير البحث العلمي والصحّة والسكّان، وقضى في الحياة الأكاديمية ربع قرن، ويملك لغة حوار وقاموساً لغوياً مرناً.

لكن الجهر بالشكوى (من دون تمهيد بشكر وإطراء) مع فلاحي المنيا يبقى في توصيفه تخطياً للأصول، وهو ما يُظهر جانباً من مفهوم الدولة الأبوية، القائمة على الإذعان، واعتبار ما تقدّمه مؤسّساتها الخدمية عطايا لا حقوقاً، والردّ عليها يكون بالامتنان للقائمين عليها، بوصفهم أوصياء على شؤون المجتمع كلّها، وعلى فئاته إظهار الطاعة المطلقة، بغضّ النظر عمّا يقدّمونه من أدوار، وتوافر عوامل تشكلّ الرضا والقبول.

 

الثابت في هذه الواقعة، وغيرها من حوادث مماثلة، أن نقصان آليات المحاسبة وإيمان القيادات البيروقراطية أن وجودها في مناصبها مرتبطٌ بحكم الفرد هو ما يجعل مثل هذه التصريحات المهينة تتكرّر، كما أن اللهجة المتعالية ترتبط بنمط الحكم السلطوي وسماته، ويجري تعميم هذه الخطابات، من قمّة هرم الحكم إلى قاعدته، وينطق بها المسؤولون في أصغر مواقع الإدارة في الهيئات الحكومية، ولا غرابة في أن يتصوّر وزير الصحّة أن مهام وظائفهم تستحقّ الشكر، وإنْ غاب الامتنان فطبيعيٌّ أن يتوجّه باللوم والتأنيب للمواطنين متلقّي الخدمة، هنا تظهر صورة الشعب الجاحد، الذي لا يُقدّر قيمة رجال الحكومة.

مع هذا المشهد، لا معنى للحديث عن المساواة وحقوق المواطنة في ظلّ غياب شروطها، وفرص للمشاركة، والتعبير عن الرأي، إلا في تظاهرات مصنوعة، بدعوة من السلطة، تخدم أغراضها، ويكون الجمهور أدوات، والساحات مسارح لحشود التأييد، لا مكان في الجمهورية الجديدة لمفهوم المواطنة، لأن شروط تحقّقها غائبة، بينما يحضر التمييز متعدّد الأوجه، جغرافياً وطبقياً، كالذي شاهدناه مع المرضى في مستشفى العدوة في صعيد مصر، الذي يرتحل أهله للعلاج والبحث عن العمل، ومطلوب أن يتجاوز هذا الواقع المديح، وهم يواجهون القسوة، سواء في سياسات الحكومة تجاههم أو في خطابها، الذي يتناقض مع عقد من الدعاية لحكومات 30 يونيو (2013) المتتالية، حول الانحياز للشعب الذي لم يجد من يحنو عليه.