آخر ما كتبته مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة في الخامس من شهر مايو الجاري، كان عن الأسير الفلسطيني كريم يونس، ونشرت صورة لوالدته عقب وفاتها، وهي تحمل صورة ابنها، ومكتوب في أسفلها: "رغم القيد لا يزال حلم الحرية يكبر فينا".

وكتبت أبو عاقلة، على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "توفيت والدة الأسير كريم يونس، بعد أن أمضت ٣٩ عامًا تنتظر عودته وخروجه من الأسر".

وعرّفت أبو عاقلة الأسير "كريم" في جملة واحدة بأنه "اعتقل في كانون الثاني من عام ١٩٨٣، ومن المقرر الإفراج عنه بعد ٨ شهور".

وكانت والدة الأسير كريم يونس تحتفظ بمكانه على طاولة الإفطار كل عام، حيث ظهرت في فيديو سابق وهي تقول "مكانك محفوظ يما وإن شاء الله رمضان الجاي تكون معنا".

من هو كريم يونس؟

الأسير كريم يوسف فضل يونس، الملقب بـ"عميد الأسرى"، من فلسطيني 48، اعتقل في 6/1/1983 وحكم عليه بالسجن المؤبد الذي حدد فيما بعد بـ 40 عامًا ويُنتظر الإفراج عنه في الخامس من يناير 2023، وهو أقدم أسير في فلسطين والعالم، وفقًا لـ"سكاي نيوز".

والأسير يونس من مواليد العام 1958 في قرية عارة، وجرى اعتقاله من قبل قوات الاحتلال عن عمر 23 عامًا، وذلك خلال دراسته الجامعية في جامعة بن جوريون في النقب، ووُجهت له تهم عدة، من بينها حيازة أسلحة والانتماء إلى تنظيم محظور، هو حركة فتح.

وفي أول محاكمة له، قضت محكمة إسرائيلية بإعدام يونس، لكنها تراجعت عن الحكم لاحقًا واكتفت بسجنه أربعين عامًا في عزل "سجن أيلون الرملة".

وكان من المفترض أن يخرج يونس من السجن في الدفعة الرابعة وفق التفاهمات التي أبرمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع الحكومة الإسرائيلية عام 2013.

ونصت هذه التفاهمات على الإفراج عن كافة الأسرى الفلسطينيين القدامى المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي قبل اتفاقيات أوسلو التي وقعت في سبتمبر 1993، إلا أن إسرائيل تراجعت عن ذلك.

واستطاع يونس أن يكمل دراسته الجامعية، وهو في السجن، وأصدر كتابين، أحدهما بعنوان "الواقع السياسي في إسرائيل" عام 1990، والثاني بعنوان "الصراع الأيديولوجي والتسوية" عام 1993.

وتدهورت الحالي الصحية لعميد الأسرى الفلسطينيين كريم يونس عدة مرات، وكان يُنقل إلى عيادة سجن الرملة حيث يعالج هناك ويعود مرة أخرى إلى سجنه.

سامحني يا أبتِ

وعندما علم كريم يونس بخبر وفاة والده يوم 6/1/2013 والذي صادف ذكرى اعتقاله ودخوله العام الواحد والثلاثين خلف قضبان السجون الإسرائيلية، طلبت العائلة أن يسمح له بقضاء واجب العزاء أو يشارك في التأبين.. لكن لم يسمح له.

ولم يجد سبيل سوى أن يكتب قصيدة من داخل محبسه في رثاء والده، منها: "سامحني يا أبتِ وقد خارت قواك وما كنت قربك. سامحني لأني وعدتك – لأني خذلتك ولأني أنا من كسرت ظهرك. سامحني لأني جعلت من رحلتي دهرًا – حتى رحلت. سامحني لأني عشت استنشق غبار الأمل وما بكيت".

700 زيارة

في إحدى زيارات والدته له في السجن ترقرقت عيناها بالدموع وهي تتذكر آخر زيارة له قائلة: "آخر مرة زرته في السجن كانت روحه المعنوية عالية وعندما رآني، قال لي لم يا أمي أنت حزينة؟ فأنا لم أسجن على عمل شيء مخجل.. لماذا تخجلي؟ أنا لم أسجن على شيء تستحي منه، انا سجنت على شيء مشرف".

وقال أقدم أسير في فلسطين والعالم، كريم يونس، في أول رسالة له بعد وفاة والدته، نقلاً عن المحامية غيد قاسم التي تمكنت من زيارته، الإثنين الماضي: "أمي زارتني في السجن ما يقارب الـ700 زيارة، كانت تقاتل لتصلني إلى السجن، لم تكلّ رغم ما نثره المحتل من أشواكٍ في دربها".

وأكمل "برغم الألم والفقدان إلا أنني شعرت بسعادة وفخر عندما علمت أنَّ الحاجة لُفت بالعلم الفلسطيني الذي غُرز أيضًا على أرض مقبرة قرية عارة".

بهذه الكلمات تحدث الأسير كريم يونس عن والدته الحاجة المناضلة صبحية "أم كريم" خلال زيارة المحامية غيد قاسم له، يوم الإثنين التاسع من مايو، في سجن "هداريم" على أثر مصابه الجلل بفقدان والدته، أيقونة فلسطين في الصبر والنموذج الأسمى والأبهى لأمهات الأسرى والمرأة الفلسطينية المقاومة الصابرة المُحتسبة.

وقالت المحامية غيد قاسم "معنويات الأسير القائد كريم جدًا عالية، تسليم تام ويقين بقدر الله، رأيت أمامي إنسانًا صلبًا عزيمته جبالًا تطال عنان السماء، ممتنًا ومُقدرًا لتضامن شعبه، ويطمئن الجميع أنه بخير ويهديكم السلام.. مؤمنًا أنَّ القيد سينكسر.. وستشرق شمس حريته وأنهى حديثه: بأن الاحتلال حتمًا إلى زوال".

"خلف القضبان.. أنام في الليل والكابوس يزعجني.. ووحدة السجن ما أقسى لياليها.. هناك 40 سنة من السنوات أحسبها.. وساعة الشوق ما أقسى معانيها".. كريم يونس.