تشير بيانات ديموغرافية ودراسات بحثية أوروبية إلى تحولات هادئة لكنها متراكمة في الخريطة الدينية للقارة، حيث يبرز الإسلام كواحد من أسرع الديانات نموًا في عدد من البلدان ذات الأغلبية المسيحية تاريخيًا. هذا النمو لا يعود فقط لحالات اعتناق فردية، بل يرتبط أساسًا بعوامل سكانية كالهجرة ومعدلات المواليد واستقرار الجاليات المسلمة وامتداد أجيالها الجديدة داخل المجتمعات الأوروبية.

 

في المقابل، تشهد القارة ارتفاعًا واضحًا في نسبة غير المنتمين دينيًا، خاصة في دول أوروبا الغربية والشمالية، بما يعني أن المشهد الديني الأوروبي يتجه تدريجيًا نحو مزيد من التنوع والتعدد، بدل الصورة التقليدية القديمة التي كانت تتركز حول هيمنة مسيحية شبه كاملة.

 

عوامل ديموغرافية وراء صعود الإسلام

 

توضح دراسات ديموغرافية أن أحد أهم مفاتيح فهم نمو الإسلام في أوروبا هو المسار الطويل للهجرة، خاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حين استقبلت دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة أعدادًا متزايدة من العمال والمهاجرين من دول ذات أغلبية مسلمة في شمال أفريقيا وتركيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا. هذه الموجات الأولى تبعتها موجات لاحقة مرتبطة بالنزاعات والحروب والأزمات الاقتصادية في المنطقة العربية وأفغانستان وغيرها.

 

مع مرور الوقت، لم يعد الوجود الإسلامي في أوروبا ظاهرة مرتبطة بجيل مهاجر أول فقط، بل تشكلت أجيال ثانية وثالثة تحمل جنسيات أوروبية وتتحدث لغات بلدانها الأم بطلاقة، وتشارك في المدارس والجامعات وسوق العمل، ما عزز حالة الاستقرار المجتمعي للجاليات المسلمة.

 

عامل آخر لافت يرتبط ببنية الهرم السكاني. الدراسات الأوروبية تشير إلى أن متوسط أعمار المسلمين في عدد من الدول أقل من متوسط أعمار السكان ككل، ما يعني قاعدة عمرية أصغر ومعدلات مواليد أعلى نسبيًا، وهو ما ينعكس على وتيرة النمو السكاني داخل هذه الشريحة مقارنة بغيرها. في دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا والسويد، تُظهر التقديرات أن نسبة المسلمين ما زالت أقلية عددية، لكنها في تزايد متواصل، بما يجعل الإسلام ضمن أسرع الديانات نموًا من حيث المعدل النسبي داخل هذه المجتمعات.

 

هذا النمو لا يلغي حقيقة أن الاعتناق الفردي للإسلام، سواء من أوروبيين غير مسلمين أو من خلفيات دينية أخرى، يظل موجودًا، لكنه يظل في أغلب التحليلات أقل وزنًا من تأثير العوامل الديموغرافية الكبرى، كالهجرة والمواليد وامتداد الأجيال.

 

بين تراجع الانتماء التقليدي وصعود الهويات الجديدة

 

على جانب موازٍ، تتسع في أوروبا فئة من يُعرفون في الأدبيات البحثية بـ"غير المنتمين دينيًا"؛ أي الذين لا يعرّفون أنفسهم رسميًا ضمن أية ديانة، سواء كانوا لا أدريين أو ملحدين أو ببساطة غير مرتبطين بمؤسسة دينية. هذه الفئة تشهد نموًا ملحوظًا في عدد من دول أوروبا الغربية والشمالية، مثل التشيك ودول البلطيق وبعض دول الشمال، حيث يُظهر كثير من الشباب مسافة متزايدة من الانتماء الكنسي التقليدي.

 

هذا التراجع في الانتماء المؤسسي للمسيحية، خاصة في صورتها التاريخية ككنائس وطنية قوية الحضور، لا يعني اختفاء الدين من المجال العام، لكنه يغيّر نمط حضوره. فالمسيحية ما زالت، من حيث العدد الإجمالي، الديانة الأكبر في القارة، وتظل جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والتاريخية لكثير من الدول، إلا أن ثقلها المؤسسي والاجتماعي يتعرض لاختبار مستمر مع صعود أنماط فردية من التدين، وتنامي الحياد أو الابتعاد عن الدين لدى شرائح واسعة.

 

في هذا السياق المتغير، يكتسب حضور الإسلام أهمية خاصة، لأنه يأتي من خارج المنظومة الدينية التاريخية السائدة في أوروبا، لكنه يتحول تدريجيًا إلى عنصر دائم في النسيج الاجتماعي. الجاليات المسلمة باتت جزءًا من الأسواق، والمدارس، والجامعات، والحياة السياسية المحلية أحيانًا، ما يجعل النقاش حولها موضوعًا ثابتًا في الأجندة الإعلامية والسياسية، سواء من زاوية الاندماج والتعددية أو من زاوية الجدل حول الهوية والهجرة.

 

دول أوروبا الشرقية ذات الأغلبية المسيحية الأرثوذكسية أو الكاثوليكية، مثل بولندا ورومانيا وسلوفاكيا، تشهد عادة حضورًا أضعف بكثير للجاليات المسلمة مقارنة بغرب أوروبا، كما أن معدلات التغيير الديني فيها أقل حدة، ما يعكس اختلافًا واضحًا في خريطة التنوع الديني بين شرق القارة وغربها.

 

مستقبل المشهد الديني الأوروبي: تنوّع لا هيمنة

 

قراءة الاتجاهات الديموغرافية الحالية تشير إلى أن الإسلام سيواصل على الأرجح نموه النسبي في أوروبا خلال العقود المقبلة، خاصة في دول أوروبا الغربية التي تستقبل النصيب الأكبر من المهاجرين، وتضم أقدم وأكبر الجاليات المسلمة. لكن هذا النمو، وفق أغلب التقديرات المتحفظة، لا يعني تحوّلًا إلى أغلبية عددية في المدى المنظور، بل يعني تغييرًا تدريجيًا في موازين التعددية الدينية داخل المجتمعات.

 

في المقابل، ستظل المسيحية، بمختلف طوائفها، مكوّنًا أساسيًا من الهوية الدينية والثقافية للقارة، حتى مع استمرار تراجع نسبة الممارسين المنتظمين لشعائرها في بعض البلدان. كما يُتوقع أن تستمر فئة غير المنتمين دينيًا في التوسع، خصوصًا بين الأجيال الشابة في المدن الكبرى، حيث تتفاعل العولمة، والعلمنة، والثقافة الرقمية في إعادة تشكيل علاقة الأفراد بالدين.

 

هذا المشهد المتعدد يعيد تعريف أسئلة الاندماج والهوية في أوروبا: وجود جاليات مسلمة آخذة في النمو، وتنوع ديني أوسع، وشرائح متزايدة لا تعرّف نفسها ضمن أي إطار ديني، كلها عناصر تدفع المجتمعات الأوروبية لإعادة التفكير في سياسات المواطنة، والتعليم، وحرية المعتقد، وحدود النقاش العام حول الدين.

 

النتيجة الأوضح حتى الآن أن أوروبا تتحرك بعيدًا عن صورة "القارة ذات الوجه الديني الواحد". حضور الإسلام في دول غير مسلمة، وتوسع غير المنتمين، واستمرار المسيحية كإطار ثقافي كبير، كلها مؤشرات على أن المستقبل الديني للقارة سيكون أقرب إلى فسيفساء متعايشة منه إلى هيمنة مطلقة لدين واحد، مع بقاء النقاش مفتوحًا حول كيفية إدارة هذا التنوع وضمان أن يتحول إلى مصدر ثراء اجتماعي، لا إلى سبب إضافي للتوتر والانقسام.