د/ حمدي شعيب*
عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى الأشعري قال: عدت الحسن بن علي فوجدت عنده أباه علياً.
قال: ما جاء بك إلينا؟!. ما يولجك علينا؟!.
قلت: ما إياك أتيت، ولكن أتيت ابن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوده.
قال علي: أما إنه لا يمنعني غضبي عليك أن أُحدثك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا عاد الرجل أخاه لم يزل يخوض في الرحمة حتى إذا جلس عنده غمرته. [تذكرة الحفاظ]
قرأت هذه الحادثة المؤثرة، وأذهلني هذا الحوار الراقي بين هذين العظيمين رضي الله عنهما!.
رغم أنها جاءت في سياق أحداث أخطر اختلاف في تاريخ الدعوة، وهو الخلاف بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وانقسام المجتمع الإسلامي إلى جبهتين عظيمتين؛ جبهة على رأسها عائشة، وطلحة والزبير رضوان الله عليهم من جهة، وجبهة أخرى على رأسها على وعمار بن ياسر رضي الله عنهما من جهة أخرى.
وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه من معسكر أمنا العظيمة عائشة رضوان الله عليها.
واقعية منهج ... وواقعية بشر:
وهذه الحادثة إنما نوردها، لنتذكر أن هؤلاء كانوا بشراً يخطئون، ويتشاحنون، ويختلفون، ولكن كان يظلل هذا الخلاف ضوابط معينة، نحن أحوج الناس إليها؛ وهي التي يضمها باب عظيم في المنهج مفتقد بيننا جميعاً؛ خاصة الإسلاميين قبل أن ينطمس أثره بين الناس عموماً؛ وهو أدب الاختلاف.
وهو باب عظيم في التربية، ومدخل يتوازى مع الخط الذي ينتهج دراسة الشخصيات المميزة، والقدوات من ناحية الفضائل، وننسى أنهم بشر بل يجب دراسة سلوكياتهم عند النقائص.
ونتذكر أن من أبرز خصائص الإسلام؛ هو الواقعية.
لذا يجب أن نتعامل مع البشر ـ وإن عظموا ـ بواقعية.
ملح الأرض ... في خطر!:
ونحن نعرض هذه اللمسات وقد هالنا هذا التلاسن والتشاتم والتدابر والتباغض الذي يمارسه البعض من فئات مصرنا المحروسة بعد ثورة 25 يناير.
وما آلمنا أن نرى أن هذه الظاهرة التلاسنية التباغضية؛ التي تسببت في الكثير من الشروخات والتصدعات المجتمعية؛ قد أصابت تلك الفئة التي ينظر إليها إنها الرمانة التي ستعدل ميزاننا المجتمعي المتلاسن، وهي الأمل أو القدوة لبناء مستقبل الأمة؛ وقد أصابها رذاذ هذا التحول المجتمعي؛ وهي شريحة الإسلاميين!.
إنهم ملح الأرض الذين يحمون الأرض من العفونة.
وهم الذين خاطبهم أحد الصالحين: (يا ملح الأرض الذي يمنع فسادها؛ لاتفسدوا؛ لأنه إذا فسد الملح؛ فمن سيصلحه)؟!.
علامات الظاهرة التباغضية:
لقد آلمنا منذ فترة انتشار بعض العلامات المزعجة؛ والتي زادت وتيرتها مع تداعيات الثورة؛ مثل:
1-هذا التطاول على كل الرموز والشخصيات الوطنية دون ضوابط بحجة حرية التعبير.
2-هذا النقد العلني على الفضائيات والمواقع الألكترونية ووسائل الإعلام المختلفة من البعض ضد زملائهم ورفقاء الدرب ومؤسساتهم؛ وبطريقة توحي بالنقمة والضيق وعدم الانسجام مع الآخرين.
3-كثرة الخارجين والمنشقين على تيار المؤسسات والأحزاب والجماعات؛ خاصة الرموز المحترمة والمقبولة جماهيرياً والتي تتمتع بتأثيرها واستقطابها لقطاعات من الشارع.
4-هذا الأسلوب غير المقبول من بعض هؤلاء المنشقين في انتقاد زملاء الأمس، وبيان عورات مؤسسات طالما عاشوا فيها عقوداً وتربوا في أحضانها؛ فلِمَ صمتوا وتخارسوا بالأمس؟.
ولِمَ نطقوا اليوم؟!.
5-الأسلوب الرخيص وغير النبيل في تطاول البعض على المنشقين، وبخسهم فضلهم، ومحو آثارهم الطيبة، وإهالة التراب عن نجاحات وإنجازات يشهد لها الغريب قبل القريب، والمصيبة أن تأتي هذه التطاولات من تلاميذهم وأحبابهم و...!؟.
6-هذا التخبط المعلوماتي والذي يبرز من خلال جهل القواعد في فهم ومعرفة ما يدور داخل مؤسساتهم وأحزابهم؛ خاصة ما يجري بين أروقة المكاتب العليا بين الزعامات والرموز.
الضوابط التربوية لأدب الاختلاف:
وإذا كنا على قناعات راسخة أنه ليس العيب في أن نختلف ولكن العيب ألا نجيد أدب الاختلاف.
فإننا ندعو أنفسنا أن نلتزم بضوابط أدب الاختلاف؛ والتي منها:
1-المعايشة مع الآخرين ضرورة:
فالإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه وبفطرته.
فلا يستحق أن يولد عاش لنفسه فقط.
بل إن طريق الجنة يبدأ من عمل جماعي: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". [الترمذي]
2-اقبل الاختلاف:
وكل تجمع بشري من الطبيعي أن يثمر خلافات واحتكاكات.
فالاختلاف بين البشر سنة إلهية ثابتة ومطردة: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ". [هود118و119]
3-الكمال البشري أمره صعب:
بل هو مستحيل لأنه (ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه؛ وهب نقصه لفضله). [البداية والنهاية: سعيد بن المسيب]
4-الخطأ سمة بشرية:
فالخطأ ليس عيباً!.
بل هو سمة بشرية!.
وكذلك الوقوع في الذنب؛ لأن العصمة للحبيب صلى الله عليه وسلم فقط.
ولكن العيب هو التمادي في الخطأ، وعدم الرجوع عن الذنب؛ والخيرية لمن تاب وأناب: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ". [الترمذي]
5-تذكر أن الخطأ حق لصاحب النشاط المنتج:
فمن المعلوم (أن صاحب النشاط والإنتاج والاندماج مع أحداث الدعوة اليومية تشفع هفواته إذا ما زل). [القيادة: جاسم المهلهل]
وعلى المستوى الجماعي؛ فالمنصف يرى (أن للجماعة الحق في أن تخطيء، وأنها لا تنمو إلا إذا تعلمت كيف تتحمل المسؤولية كاملة لما تصدره من قرارات وما تحسمه من أمور). [كيف نعد قادة أفضل: ترجمة د. الطويحي]
6-الخطأ ... رصيد معرفة وتجربة:
كما يؤكد (ألبرت أينشتاين): (أن المعرفة ليست المعلومات؛ فمصدر المعرفة الوحيد هو التجربة والخبرة).
بل ويقرر: (أن الشخص الذي لا يرتكب أي أخطاء لم يجرب أي شيء جديد).
7-احذر الآثار القلبية والنفسية:
لأن الخلاف الظاهري خطورته أن ينقلب إلى خلاف قلبي محرم: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم". [البخاري]
8-اسمح بما سمح به الحبيب صلى الله عليه وسلم:
وتأمل صمت الحبيب صلى الله عليه وسلم وسكوته؛ فيقر هذا الحد من الخلافات البشرية؛ والتي حكى عنها كعب بن مالك رضي الله عنه: "ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك.
فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟.
فقال رجل من بني سلمه: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه.
فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. [متفق عليه]
9-زن الآخرين بميزان سورة الأحقاف:
من قواعد المعايشة الجماعية أن نزن الآخر بحسناته وسيئاته؛ فنقبل الحسن ونتغاضي عن السيء: "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ". [الأحقاف16]
(وهو ميزان العدل في الإسلام من غير إفراط ولا تفريط فإذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ عن المحاسن لم تذكر المحاسن). [سير أعلام النبلاء: عبد الله بن المبارك]
10-رد غيبة من اختلفت معه:
وتأمل ما صنعه عمار بن ياسر مع عائشة رضوان الله عليهما:
نال أحدهم من أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها بمحضر من عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال: "اسكت مقبوحاً منبوحاً، أتؤذي محبوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟، فأشهد أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة؟. لقد سارت أمنا عائشة رضي الله عنها مسيرها وإنا لنعلم أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها". [كنز العمال وحياة الصحابة]
11-لا تطمس الحقيقة بخلافاتك:
أي لا تجعل الخلافات تمنعك من إظهار الحق وإرشاد العباد خاصة المختلفين معنا.
وراجع ما ذكرناه في حديث المقدمة.
12- فتش داخلك ... هل قلبك أسفنجياً أم زجاجياً؟:
أنصف مع ذاتك.
فقد يكون يكون الخلل داخلك.
وتذكر نصيحة ابن تيميه لتلميذه ابن القيم رحمهما الله: (لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإّذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه صار ممراً للشبهات).
13- أحسن الظن بالآخر:
فالأمور بمقاصدها؛ كما تقرر القاعدة الأصولية؛ التي تدعونا إلى إحسان الظن بمن أساء التعبير.
كما نطق شاعر موضحاً ومنصفاً:
تقول هذا جني النحل تمدحه … وإن تشـا قلت ذا قيء الزنابير
مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما … والحق قد يعتريه سوء تعبيـــر
____________
*خبير تربوي وعلاقات أسرية