16 / 11 / 2008
مقدمة
ازدادت في الآونة الأخيرة حوادث التحرش الجنسي في مصر، ووصلت إلى وقوع تحرش جنسي بشكل جماعي عدة مرات، وهي ظاهرة جديدة على المجتمع المصري، وتختلف في جوهرها عن حوادث المعاكسات الفردية.
لقد نقلت وسائل الإعلام أن حوالي مائة شاب تجمعوا في شارع جامعة الدول العربية بمنطقة المهندسين في محافظة الجيزة وقاموا بالهجوم على عدد من الفتيات وقطعوا ملابسهن، وسط ذعر المارة وأصحاب المحلات، وقد استمر المشهد ما يقرب من ساعة حتى جاءت الشرطة، التي قبضت على أكثر من ثلاثين من هؤلاء الشباب، حيث تمكن الباقون من الفرار، إلا أن الشرطة أفرجت في وقت لاحق عن أكثر الشباب المقبوض عليهم وسلمتهم لأولياء أمورهم، ووجهت التهمة لاثنين فقط منهم. اللافت في الظاهرة هو الاتفاق والمجاهرة وعدم الاكتراث من جهة الشباب، وعلى الجانب الآخر ضعف الردع من جهة السلطات، ووقوف المارة وأصحاب المحلات دون حراك. ورغم أن المجتمعات الأوروبية تعاني مما هو أسوأ من الظواهر اللاأخلاقية مثل جرائم الاغتصاب، والاعتداء على الأطفال، وزنا المحارم، إلا أنه لا مقارنة بين مجتمعاتنا الإسلامية والمجتمعات الغربية التي لا تعترف أكثرها بحاكمية الدين على سلوكيات وأخلاقيات الفرد.
معنى التحرش الجنسي
لفظ التحرش جديد على الثقافة العربية، وهو ترجمة عن كلمة إنجليزية، وقد عرّف بعض المتخصصون معنى التحرش الجنسي بأنه "أي قول أو فعل يحمل دلالات جنسية تجاه شخص آخر يتأذى من ذلك ولا يرغب فيه" ويغلب ذلك من الذكر تجاه الأنثى، وذكروا بعض الأمثلة على ذلك مثل: النظرة الخبيثة أو ذات المعنى للأنثى بينما تمر من أمام الشخص، والتلفظ بألفاظ ذات معنى جنسى، أو تعليق صور جنسية أو تعليقات جنسية فى مكان يعرف الشخص أنها سوف تراه، أو تعمد لمس المرأة وهي تسير في الشارع أو داخل أجهزة المواصلات أو في أي مكان آخر.
آراء الخبراء حول الظاهرة
أرجعت الدكتورة غادة الخولي أستاذة الطب النفسي انتشار التحرش الجنسي في مصر إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وازدياد معدلات الطلاق والكبت الجنسي في المجتمع
أرجعت الدكتورة غادة الخولي أستاذة الطب النفسي انتشار التحرش الجنسي في مصر إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وازدياد معدلات الطلاق والكبت الجنسي في المجتمع، وقالت: إن "التحرش لا يرتبط فقط بمناطق الفقراء في مصر، بل إن بعض الأماكن الراقية يحدث فيها ذلك، ودللت على ذلك بمنطقة مصر الجديدة التي حدثت فيها واقعة تحرش جنسي مؤخرًا"، وأضافت: إن فكرة الزواج انتابها خلل اجتماعي حيث أصبحت تعتمد بشكل كبير على المصلحة، ولهذا يصيب الأزواج الملل عقب الزواج، فلم يعد هناك صفات القدرة على الكفاح والتحمل التي كانت سائدة في الماضي وتعطي الفرد الإحساس بالمسئولية والانتماء للمنزل. وذكرت الطبيبة النفسية أن قيم الحصول على كل شيء دون مجهود أضحت سائدة في المجتمع. وأشارت إلى أن "خوف الفتيات من عدم القدرة على الزواج دفعهن إلى الخوض في علاقات عاطفية في فترة مبكرة، وأصبح هذا يتم بعلم الأهل، كما انتشرت ظاهرة الخيانة الزوجية أيضًا بشكل ملحوظ...".
وتقول الدكتورة " آمنة نصير" أستاذة الفلسفة وعميدة سابقة بجامعة الأزهر: إن الثقافة المصرية تغيرت "انظروا إلى أولادنا اليوم، لا يوجد شيء يملأ حياتهم باستثناء التلفزيون والإنترنت، والآن لدينا مشكلة الزواج المتأخر، وعندما تجمع كل هذه العوامل في سلة واحدة تكون النتيجة مشاكل اجتماعية مثل التحرش..".
الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ علم الاقتصاد فأكد على ارتباط التحرش بالاقتصاد حيث أرجع أسبابه إلى البطالة التي يعاني منها 20% من المجتمع المصري، والتي تؤدي إلى العجز في إشباع الاحتياجات الاقتصادية
أما الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ علم الاقتصاد فأكد على ارتباط التحرش بالاقتصاد حيث أرجع أسبابه إلى البطالة التي يعاني منها 20% من المجتمع المصري، والتي تؤدي إلى العجز في إشباع الاحتياجات الاقتصادية، وأشار إلى أنه يتم إنفاق 18 مليار جنيه على المخدرات، التي تساهم في تغييب الوعي وتساعد على انتشار التحرش. ومن جهته أوضح النائب جمال زهران عضو مجلس الشعب المصري أن مجتمع رجال الأعمال وتزاوج السلطة والمال هو أحد أهم الأسباب التي أدَّت إلى انتشار ظاهرة التحرش، وكذلك الفراغ الكبير الذي يعاني منه الشباب، ولفت زهران إلى أحدث إحصائيات وزارة الداخلية التي أكدت أن التحرش الجنسي أصبح يمثل 13% من مجمل الجرائم التي تُرتكب في المجتمع المصري بعد أن كانت تُمثل فقط 6% قبل أعوام قليلة. وحصر محسن راضي النائب عن كتلة الإخوان أسباب الظاهرة في عدة نقاط وهي: غياب الرادع الأمني، وغياب الأمن الجنائي عن الشارع، بالإضافة إلى تعامل الشارع باستهانة شديدة مع التحرش طالما لم يصل إلى حدِّ الاغتصاب، وسيادة ثقافة الصمت داخل المجتمع وخشية الأنثى من الإبلاغ عن الحادثة تجنبًا للفضيحة، وبعض الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن المناخ العام في البلاد، والذي أدَّى إلى الإحباط الناتج عن البطالة وعدم قدرة الشباب على الزواج وغياب الوازع الديني والأخلاقي.
دراسات بشأن الظاهرة
وفي دراسة صدرت عن المركز المصري لحقوق المرأة في يوليو الماضي، اعترف 62 % من الرجال في مصر بالتحرش جنسيًا بالنساء، وأفاد 83 % من النساء بتعرضهن للتحرش، وقال نصفهن: إن ذلك يحدث معهن بشكل يومي. أما ريبيكا تشياو منسقة العلاقات الدولية في المركز المصري لحقوق المرأة فقد أفادت بأن التحرش ظاهرة حقيقية في مصر، وقد ساءت هذه الظاهرة خلال العشر سنوات الماضية بشكل لافت، وأضافت: "حتى السبعينات لم يكن هناك تحرش في مصر إلا نادرًا، لكن الأمور مختلفة تمامًا الآن". وكشفت دراسة حديثة نشرتها صحيفة المصري اليوم عن أن نسبة المتحرشين تتفاوت حسب السن؛ حيث تبلغ النسبة لمن في سن 18 حوالي 22%، ومن 18 إلى 24 حوالي 29%، ومن 25 إلى 40 حوالي 30% بينما تنخفض النسبة لمن فوق 41 سنة إلى 14%، وتشير الدراسة إلى أن طالبات المدارس هن الأكثر عرضة للتحرش، حيث أكدت 30 طالبة شاركن في الدراسة أنه تم التحرش بهن في أماكن مختلفة، سواء في الشارع أو المواصلات العامة، وفيما يتعلق برد فعل المتحرش بها، نجد "السب" هو النسبة الأكبر، حيث تكتفي 55% من النساء بسب المتحرش ولعنه وإكمال اليوم بشكل عادي، وذلك في حالة اقتصار التحرش على بعض الألفاظ، كما أوضحت الدراسة أن 32% يطلبن مساعدة الغرباء، و11% يطلبن مساعدة أفراد العائلة أو الأصدقاء، بينما تلجأ 13% إلى الشرطة وتبلغ عن الحادثة. وأشار تقرير إخباري أوردته صحيفة "ميل آند جارديان" البريطانية إلى تنامي ظاهرة التحرش الجنسي بالنساء بمصر، وأنها لم تعد قاصرة على النظرات أو الكلمات الإباحية، وإنما امتدت إلى لمس أجساد النساء من قبل المتحرشين، وذكرت الصحيفة في تقريرها، أن عمليات التحرش الجنسي بالسيدات في مصر بالأماكن العامة لم تعد تقتصر على استهداف السيدات في مرحلة عمرية أو طبقة اجتماعية محددة أو بعضًا من النساء، ونقل التقرير عن خبراء اجتماعيين قولهم: إن هناك العديد من العوامل التي تساعد على زيادة انتشار ظاهرة التحرش الجنسي في مصر، يأتي أبرزها "تفاقم مشكلة البطالة وانتشار العاطلين في الشوارع، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الزواج، وغياب الوازع الديني الذي يحرم ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج".
رأي الشارع في الظاهرة
تقول الدكتورة "منال البنا"، وهي طبيبة أمراض نساء: إنه من واقع عملها واحتكاكها المباشر بعشرات النساء كل يوم أن هذه الحوادث المفزعة لم تعد حالات فردية وإنما أصبحت ظاهرة خطيرة موجودة في معظم مجالات العمل وأماكن الدراسة والمواصلات ومنتشرة في مناطق كثيرة، وترجع الدكتورة "منال" الأسباب التي أدت لمثل هذه السلوكيات إلى الملابس الخليعة التي ترتديها بعض الفتيات في محاولة للفت أنظار الشباب إليها خاصة مع تأخر سن الزواج والعنوسة المنتشرة، كذلك الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تحول دون قدرة الشباب على الزواج، هذا في الوقت الذي تنتشر فيه مشاهد العري والإباحية عبر القنوات الفضائية وصفحات الإنترنت، أما "حسن حسن السيد"، وهو موجه أول تربية اجتماعية فيرى أن هذه الحوادث لاتشكل ظاهرة عامة داخل المجتمع المصري، مؤكدا على أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حوادث فردية صدرت من بعض الشباب الذي تربى من خلال القنوات الفضائية وعبر صفحات الإنترنت ولم يتلق التربية في محاضنها الطبيعية البيت والمدرسة. من جهتها ترى"زينب الجوهري"ـ ربة منزل ـ أن هذه الحوادث فردية ودخيلة على المجتمع المصري وتقع من بعض الشباب المنحرف، وحذرت من الانقياد الأعمى وراء الغرب، مشيرة إلى أن هذا "نجنيه من التقليد الأعمى لنساء الغرب في ملابسهن وأخلاقهن".
رأي علماء الدين في الظاهرة
الشيخ جمال قطب ـ من علماء الأزهر ـ أرجع انتشار هذه الظاهرة إلى غياب الحياء والذي يمثل قمة الهرم القيمي بالمجتمع، وإلى تفسخ حتى التقاليد والأعراف، والتي تدعو إلى الشهامة والحفاظ على المرأة والفتاة في حال تعرضها لخطر
استنكر علماء الدين انتشار ظاهرة التحرش في المجتمع، ووصف الشيخ جمال قطب ـ من علماء الأزهر ـ الحادث بأنه مأساوي في حياة المصريين، حيث لا تأمن الفتيات على أنفسهن من التحرش، الذي قال عنه: إنه انتشر في أكبر شوارع القاهرة، مما يدل على غياب القيم الاجتماعية الحاكمة للمجتمع، وأرجع انتشار هذه الظاهرة إلى غياب الحياء والذي يمثل قمة الهرم القيمي بالمجتمع، وإلى تفسخ حتى التقاليد والأعراف، والتي تدعو إلى الشهامة والحفاظ على المرأة والفتاة في حال تعرضها لخطر. وتساءل الشيخ قطب إذا كان هذا حال بعض الشباب، فلماذا لا نبحث على وسائل حماية له، بعدما نبحث الأسباب الحقيقية وراء الظاهرة المتكررة، ودعا إلى إنشاء صندوق لتزويج الشباب، يتولى شئونه عدد من الجمعيات الخيرية التي تكون مهمتها تزويج الشباب وتذليل ما يكتنفهم من عقبات، كما تكون مهمة هذه الجمعيات محاربة الرزيلة بأشكالها وأنواعها والعوامل المؤدية إليها.
من جهته، أعرب الدكتور عبد المعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، عن تخوفه الشديد من غياب القيم الاجتماعية، مطالبًا بضرورة احتضان الشباب، وأن تكون هناك مؤسسات رعاية اجتماعية لهم، ودعا الدكتور بيومي إلى تنظيف المجتمع من الأفكار الوافدة والتي قال: إنها سبب هذه المآسي، كما دعا الأسر إلى أن تقوم بدورها نحو حماية الشباب والفتيات وضرورة الانتباه إلى كل تغير يطرأ على أولادهن، والاستفسار من العلماء والمشايخ وأساتذة علم النفس عن ضرورة معالجة أي داء ربما يتعثر عليهم مواجهته إذا ما وجدوه في أولادهن، وعلى نفس الصعيد نددت "جبهة علماء الأزهر" بحادث التحرش الجنسي الأخير، وانتقدت قانون الطفل الذي أقر في الدورة البرلمانية الماضية والذي رفع سن المساءلة القانونية إلى الثامنة عشرة، ليحمي بذلك من هم دون هذا السن رغم بلوغهم عند ارتكابهم الجرائم، ووصفت الجبهة هذه القوانين بأنها وفرت الحماية للمتحرشين، وأدانت الجبهة من جهة أخرى "محاصرة الشعائر وتأميم الوعظ..".
ومما سبق يمكن أن نجمل الأسباب الحقيقية للظاهرة في عدة نقاط وهي:
الأسباب الحقيقية للظاهرة:
1ـ قلة الوعي الديني.
2ـ غياب المؤسسة التعليمية.
3ـ غياب دور الأسرة.
4ـ الإحباط وعدم الشعور بالأمان
5ـ الاستفزاز الطبقي وانتشار الفساد.
6ـ الغياب الأمني.
7ـ تزايد الأنانية وعدم المبالاة.
أولاً: قلة الوعي الديني إثر تجفيف المنابع
دعت أصوات داخل النظام بعد تفجر أحداث العنف في بداية التسعينيات إلى ما أسموه "تجفيف منابع الإرهاب" وقصدوا بذلك إبعاد الشباب عن التدين والتعليم الإسلامي، وقاموا بتقليص المناهج الدينية في المدارس، كما أصدرت وزارة الأوقاف تعليمات بإغلاق المساجد عقب الصلاة مباشرة لعدم استغلالها في "نشر الأفكار المتطرفة"ـ على حد قولهاـ كما تم تخفيض عدد البرامج الدينية في الإعلام وجعلها قاصرة في الأغلب على الدعاية ضد ما أسموه "ظاهرة التطرف الديني"، ولم يقدموا البديل المعتدل ـ على حسب رؤيتهم ـ بل تركوا الشباب في حالة فراغ إلى أن تم احتواؤهم عن طريق القنوات الفضائية التي انتشرت كالجراد، وبث عدد كبير من هذه القنوات الخلاعة والمجون عن طريق أغاني "الفيديو كليب" والتي تتفنن في إظهار الفتيات العربيات والأجنبيات بالملابس العارية، كما تم بث عدد كبير من البرامج التي يقوم عليها ثلة من العلمانيين، تهاجم التدين والحجاب وعدم الاختلاط وتصف هذه المظاهر "بالردة الحضارية"؛ الأمر الذي صنع جيلاً مائعًا من الشباب في هيئته وفكره فرأينا الشباب الذي يلبس "البنطلونات الساقطة" ويضع الأساور في يديه ويلون شعره، كما رأينا الفتيات عاريات البطن، باديات المفاتن حتى وإن وضعن ما يستر شعورهن.
ثانيًا: غياب المؤسسة التعليمية
تعرض التعليم في مصر في الأعوام الأخيرة لهزة عنيفة نتيجة لضعف الإمكانيات وغياب الإستراتيجية الواضحة؛ وقد اعترف عدد من المسئولين بالحالة المزرية التي وصل إليها التعليم، وعلى رأس هؤلاء رئيس البرلمان المصري الدكتور فتحي سرور، وأدت هذه الحالة إلى غياب تأثير المدرسة والمعلم على حياة الطلاب، حيث أصبح يعتمد هؤلاء على الدروس الخصوصية التي يغيب فيها تمامًا الدور التربوي وتقتصر على الجانب التعليمي، ويتحايل الطلاب بشتى الطرق للغياب عن المدرسة التي اقتصر دورها على تنظيم الامتحانات، بالإضافة إلى ذلك تعرضت مناهج التعليم للتعديل والتبديل والحذف والإضافة خلال السنوات الماضية تحت لافتة "التطوير"؛ مما أربك العملية التعليمية وأفقد الطلاب الاستقرار والتركيز، وغاب عن هذه المناهج جميعها الاهتمام بالأخلاق والسلوكيات الحميدة واقتصر الحديث من القائمين على التطوير على قضايا من نوعية "الثقافة الجنسية وأهميتها، وتوقيت تدريسها للطلاب وكيف؟"، و"نظام الثانوية العامة هل يكون سنتين أم سنة واحدة أو ثلاث سنوات؟".
ثالثًا: غياب دور الأسرة:
في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وانشغال الأب بالعمل طوال اليوم ليتمكن بالكاد من توفير احتياجات الأسرة الضرورية بل وسفره أحيانًا خارج البلاد للبحث عن الرزق، وقيام الأم داخل البيت بالدورين معًا؛ لنعدم الحوار مع الأبناء، ولجأ الشباب والفتيات لأصدقائهم لحل مشاكلهم، والحديث عن أوجاعهم؛ الأمر الذي أوقع الكثير منهم في براثن الانحراف والإدمان والانغماس في الملذات الآنية دون تقدير لعواقبها الآجلة.
رابعًا: الإحباط وعدم الشعور بالأمان
يمر الشباب في مصر منذ فترة ليست بالقصيرة بحالة من الإحباط الشديد وعدم الأمان نتيجة لارتفاع نسبة البطالة وقلة الدخل وازدياد تكاليف المعيشة؛ مما جعل تفكير الشباب في العمل وبناء أنفسهم لتصريف الطاقة والغريزة الطبيعية بشكل مشروع حلمًا بعيد المنال، ويظهر ذلك جليًا في إقدام بعض هؤلاء الشباب على الزواج العرفي رغم مشاكله الجمة، وإنكار المجتمع له، خصوصًا في حق الفتاة، كما يظهر في انتشار ظاهرة الإدمان على المخدرات بين قطاع عريض منهم للهروب من الواقع للخيال الزائف ولو للحظات؛ حتى الشباب المتفوق والذي تؤهله إمكانياته الشخصية من دخول كليات القمة فوجئ بأنها لم تعد توفر أي فرصة للحياة الكريمة، وبدأت الدولة تخفض من أعداد الطلاب الملتحقين بها مع التحذير من التكالب عليها.
خامسًا: الاستفزاز الطبقي وانتشار الفساد
في الوقت الذي تعاني فيه الأغلبية العظمى من الشعب من صعوبات الحياة وازدياد معدلات الفقر، ظهرت في السنوات الأخيرة طبقة شديدة الثراء تقوم بتصرفات استفزازية لجموع الشعب، وتظهر هذه التصرفات في احتفالاتهم بالأعراس وغيرها من المناسبات، وبناء المنتجعات الراقية والقصور الفخمة في العاصمة وفي المدن السياحية، وتنتشر صور هذه الطبقة في الصحف والمجلات، وعلى مواقع الإنترنت، كما دخل عدد من أبناء هذه الطبقة إلى عالم السياسة فيما سمي في أجهزة الإعلام "بتزاوج السلطة والثروة"، وقد حذر مؤخرًا من هذه الظاهرة أحد أقطاب الحزب الحاكم وهو الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري، أضف إلى ذلك اتهام عدد غير قليل من هؤلاء الأثرياء بقضايا فساد حكمت فيها المحكمة بإدانة بعضهم.
سادسًا: الغياب الأمني
لقد ذكر شهود العيان في حادث التحرش الأخير أن الشرطة وصلت إلى المكان بعد حوالي 45 دقيقة وفي بعض الروايات بعد ساعة كاملة، وهو أمر يثير الدهشة؛ حيث إن المنطقة التي شهدت الحادث منطقة مزدحمة وهامة، خصوصًا في الأعياد ويكثر فيها تجمع الفتيات والشباب، كما أن البلاد تسودها حالة "الطوارئ"، وهو ما يجعل الوجود الأمني المكثف أكثر بديهية في هذه الأماكن؛ الأمر الذي يؤكد حالة الإهمال الواضحة في هذا الجانب، كما اتضح أيضًا عند اندلاع الحريق في مجلس الشورى خلال شهر رمضان الماضي، خلافًا للاستنفار الواضح عند توقع حدوث تظاهرات أو إضرابات أي ما يسمى "بالأمن السياسي".
سابعًا: تزايد الأنانية وعدم المبالاة
يتميز المجتمع المصري على مر العصور بعدة صفات من أهمها الشهامة، والفزع لإنقاذ المحتاج خلافًا للمجتمعات الأوروبية التي قد يقتل فيها القتيل أو تغتصب فيها المرأة وسط الشارع دون التفات أحد من المارة، وكانت هذه الصفات وغيرها مثار تباهٍ بين أبناء الشعب، إلا أن الحادث الأخير وبعض الحوادث المشابهة تلفت الانتباه لضمور هذه الصفات الكريمة وظهور صفات الأنانية وعدم المبالاة، وهي صفات تغلب على المجتمعات المادية التي تتجاهل احتياجات الروح، ولعل المشاكل التي يعاني منها المجتمع المصري وذكرنا بعضًا منها سابقًا ساهمت بشكل كبير في ظهور هذه الصفات السلبية، أضف إلى ذلك الخوف الذي أصبح يسيطر على نفوس عدد كبير من الناس نتيجة للبطش الأمني المبالغ فيه في بعض الأحيان.
كلمة أخيرة: الحذر من ركوب الموجة
سعت الفئة العلمانية في البلاد لاستغلال تعدد حالات التحرش الجنسي الجماعي في الفترة الأخيرة، في محاولة لتمرير بعض من عناصر أجندتها التي لاقت رواجًا كبيرًا بعد تنامي العنف في مطلع التسعينيات من القرن الماضي
سعت الفئة العلمانية في البلاد لاستغلال تعدد حالات التحرش الجنسي الجماعي في الفترة الأخيرة، في محاولة لتمرير بعض من عناصر أجندتها التي لاقت رواجًا كبيرًا بعد تنامي العنف في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فبدأت بالحديث عن "حقوق المرأة المهضومة وأهمية تطوير القوانين لصيانة حقوقها"، والخوف هنا من تفويت المزيد من القوانين المخالفة للشريعة بحجة "المساواة" ومناهضة "المجتمع الذكوري"، وعليهم أن يتذكروا أن أغلب المتهمين في الحادث الأخير خرجوا دون توجيه أي لوم لهم استنادًا للقانون الجديد الذي يرفع سن المساءلة القانونية إلى 18 عامًا خلافًا لأصول الشريعة التي تربط المساءلة بالبلوغ، وكان القانون الجديد قد سُن بعد ضغوط حقوقية داخلية وخارجية بدعوى "صيانة حقوق الطفل".
كما ادعت هذه الفئة العلمانية أن التحرش لا يفرق بين فتاة محجبة وغير محجبة وهو بهتان كبير، خصوصًا وأن الكثير من الفتيات اللاتي يعتبرهن العلمانيون محجبات هن أبعد ما يكنّ عن الحجاب الصحيح؛ فارتداء الملابس الضيقة حتى لو غطت الجسم كله، ووضع مساحيق التجميل على الوجه وظهور أجزاء من شعر الرأس، كما هو حال الكثير من الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش، ليس حجابًا شرعيًا، وفي الحادثة الأخيرة ذكر بعض الشهود أن الاعتداء على بعض المحجبات تم عندما قمن بالدفاع عن الفتيات الأخريات ولكنهن لم تكنّ مستهدفات من البداية كغيرهن.

