التوقيت الذي حطت فيه طائرة سامح شكري وزير الخارجية بحكومة الانقلاب وعباس كامل مدير مخابرات السيسي بمطار الخرطوم، جعل من تأكيدات الخارجية السودانية بأن الزيارة مجدولة محاولة للتمويه ـ بحسب ناشطين ـ عززت فرضيات تتحدث عن رغبة القاهرة التدخل في الشأن السوداني.
لكن وزير خارجية الانقلاب لم يجد من بد سوى أن يتعرض للأحداث والظروف التي يعيشها السودان، مقتربا من تخمينات سرت منذ أن أعلن عن الزيارة مفادها أن الاحتجاجات ستكون حاضرة لدى اللقاء مع الرئيس البشير.
وتأتي زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري ومدير المخابرات المصرية عباس كامل في خضم احتجاجات شعبية على الأوضاع المعيشية تعد الأوسع والأشرس التي يختبرها الرئيس السوداني عمر البشير منذ أن استلم السلطة في يونيو/حزيران 1989.
وبالرغم من أن رسالة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي للبشير كان شفهية ولا يدري فحواها إلا اللجنة الرباعية ممثلة في وزيري الخارجية ومديري المخابرات، لكن هذا لم يمنع قوى مؤيدة للاحتجاجات من التوجس من الزيارة.
مخاوف المعارضة
رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض عمر الدقير طلب من القاهرة أن تخلي بين النظام الحاكم والسودانيين ولا تصطف إلى جانب البشير ضد الحراك الشعبي.
ويخشى الدقير من أن تقدم مصر دعما للبشير، ويناشدها أن تراعي مصلحة وإرادة السودانيين، ويرى أن القاهرة حريصة على الوقوف على حقيقة الأوضاع لأن ما يجري بالبلاد يهمهم بكل تأكيد.
ولا يستبعد أن يكون المسؤولان المصريان قد حملا إلى الخرطوم رسائل تتعلق باصطفاف في أحلاف إقليمية بعينها، من واقع تأرجح بوصلة العلاقات الخارجية للحكومة "التي تتسول الآن وتتبع نظرية رزق اليوم باليوم أو حتى من وجبة إلى أخرى".
قيادي رفيع في حزب المؤتمر الوطني ـ صاحب الأغلبية الحاكمة ـ قال إن العلاقات السودانية المصرية حاليا في "ذروة تطورها".
تطور خفي
وما يعزز فرضية الدعم المصري فإن القيادي يقول إنه منذ أشهر تشهد العلاقات بين الخرطوم والقاهرة تقدما ربما لا يلاحظه الكثير من المراقبين، ويضيف "علاقتنا مع مصر هي الأفضل الآن مقارنة بعلاقاتنا مع عدة دول بالمنطقة".
وتبادل البشير والسيسي، أخيرا العديد من الزيارات، لكن كان أبرزها زيارة مفاجئة لرئيس الانقلاب في يوليو الماضي سرت على إثرها تسريبات بأن الرجل جاء رسولا من السعودية والإمارات ليطلب من البشير تنحيا آمنا.
لكن السيسي أنهى زيارته تلك ليعود في زيارة مجدولة في أكتوبر ورد البشير التحية بأفضل منها وهو يزور القاهرة في نوفمبر.
خارطة التحالفات
ويبدو فتح العليم عبد الحي الأمين العام لمجموعة (السائحون) ـ أكثر وضوحا وهو يقول إن توقيت زيارة المسؤولين المصريين غير عادي.
ويمضي ليقول "من المؤكد والمتفق عليه أن للزيارة علاقة بالاحتجاجات التي يشهدها السودان، لكن المختلف بشأنه هو مضمون حديث الطرفين".
ويرى عبد الحي أن القاهرة تريد المشاركة في رسم المشهد بالسودان وصناعته حتى لا تفاجأ بتغيير قد يعزز وجود الإسلاميين في مفاصل السلطة، وهو أمر ليس من مصلحة السيسي.
ويرجح بدرجة أكبر أن يكون وزير الخارجية ومدير المخابرات المصريين مجرد رسل حملا رسالة إلى الخرطوم تتعلق بإعادة تشكيل تحالفات في المنطقة وموقف السودان منها، في ظل اضطراب سياسته الخارجية، قائلا "أعتقد أن هناك عروض تعرض على الرئيس مباشرة".
وينصح بأن تكون المعالجة على مستوى تركيبة الحكم في البلاد بيد المجموعة الحاكمة حتى تكون أقل كلفة، لأنه في حال جاء التغيير من الخارج فإن الكلفة ستكون باهظة.
وحتى على صعيد الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، المشارك في الحكومة والقريب تاريخيا من مصر، فإنه يدعو المجتمع الدولي للوقوف مع قضية الشعب السوداني ضد النظام.
ويقول القيادي في الحزب علي السيد "لا يفوتنا تحذير بعض الدول من التدخل في شؤون السودانيين بدعمها لهذا النظام اقتصاديا ومعنويا بما يطيل من عمر بقائه، على حساب حريات المواطنين وحقوقهم الأساسية".
وأبلغ وزير خارجية الانقلاب سامح شكري الصحفيين عقب لقائهم مع البشير بأن القاهرة مستعدة لتقديم الدعم والمؤازرة للسودان، وفقًا لأولويات وسياسات تضعها الحكومة السودانية.

