هاجم النائب محمد عبد العليم داوود، عضو مجلس النواب المصري في جلسة اليوم الإثنين ، مشروع قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات المعروض من الحكومة، مؤكدا أن 12 مليون مواطن من أصحاب المعاشات كانوا ينتظرون حماية كرامتهم فوجدوا نصوصا تنزع حقوقهم وتعمق هشاشتهم المعيشية.

 

وتكشف هذه المواجهة البرلمانية حجم الفجوة بين خطاب الحكومة عن الحماية الاجتماعية وحياة أصحاب المعاشات الذين يواجهون أسعارا مرتفعة وخدمات متعثرة وإجراءات إدارية مرهقة، حيث تحول التقاعد عند قطاعات واسعة من حق مستقر إلى عبء يومي يهدد كبار السن وذوي الاحتياجات وأسر العمال بعد سنوات الخدمة.

 

قانون يزيد القلق بدل حماية أصحاب المعاشات

 

بدأ داوود كلمته برفض قاطع لمشروع القانون، وربط موقفه بما وصفه بتراجع الحكومة عن مسؤوليتها تجاه من أفنوا أعمارهم في العمل، مؤكدا أن أصحاب المعاشات لا يطلبون منحة مؤقتة بل حقا تأمينيا تراكم عبر سنوات الخدمة والاشتراكات والاستقطاع الشهري من الأجور.

 

ثم ضرب النائب مثالا واضحا على قسوة الواقع، حين أشار إلى أن انتقال صاحب معاش من كفر الشيخ إلى القاهرة قد يكلفه 4000 جنيه، وهو رقم قد يتجاوز قيمة المعاش نفسه، بما يجعل العلاج أو متابعة الإجراءات الحكومية رحلة مالية مرهقة لا يستطيع كثيرون تحملها.

 

بعد ذلك حذر داوود من أثر السياسات الحالية على الموظف العامل قبل خروجه للمعاش، مؤكدا أن غياب الأمان بعد التقاعد قد يدفع بعض العاملين إلى البحث عن بدائل غير قانونية خلال الخدمة، وهو تحذير مباشر من صلة ضعف المعاشات بتفشي الفساد الإداري داخل الجهاز الحكومي.

 

وفي السياق نفسه يلتقي هذا التحذير مع ما قاله الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في مواقف سابقة عن زيادات الأجور والمعاشات، إذ اعتبر أن الزيادات المحدودة وسط موجات ارتفاعات الأسعار لا تعالج أصل الأزمة بل تقدم مسكنات مؤقتة، وهو توصيف يضع مشروع الحكومة داخل دائرة الترقيع لا الإصلاح.

 

كذلك أشار داوود إلى وجود خلل في إدارة هيئة التأمينات، مؤكدا تقديم طلبات لمحاسبة رئيس الهيئة، وربط الملف بقضايا البطالة وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، بما يعني أن الأزمة لا تخص شريحة واحدة فقط بل تمس نظام الحماية الاجتماعية كله من العمل وحتى التقاعد.

 

انتقادات النواب تضع الهيئة والحكومة في موضع مساءلة

 

شهدت الجلسة العامة برئاسة المستشار هشام بدوي مناقشات واسعة حول مشروع تعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، وتباينت مواقف النواب بين موافقة مبدئية وموافقة مشروطة وتحفظ ورفض، إلا أن الاتجاه الأبرز في الكلمات الناقدة ركز على ضعف الحماية وغياب العدالة.

 

في المقابل انتقد النائب ضياء الدين داوود التعديلات واعتبرها غير كافية ولا تعالج مشكلات أصحاب المعاشات، كما اتهم إدارة المنظومة بوجود قصور واضح، مؤكدا أن نظام التأمينات يعاني خللا يحتاج إلى إصلاح شامل لا مجرد تعديلات جزئية تمر عبر اللجنة المختصة.

 

وبالتوازي طالب النائب أحمد السنجيدي بإعادة دراسة المشروع في ضوء معدلات التضخم وتراجع قيمة الجنيه، لأن أي زيادة معزولة عن الأسعار تفقد معناها بسرعة، بينما دعا النائب تامر عبد القادر إلى إعادة المشروع للجنة المختصة لمراجعته بما يضمن العدالة الاجتماعية.

 

وعلى هذا المسار جاء موقف إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي والباحث في قضايا التأمينات، قريبا من جوهر الاعتراضات، إذ كتب أن تعديلات قانون التأمينات لا تتصدى للتفاوت الكبير بين المؤمن عليهم ولا تحل مشكلات المعاش المبكر والعمالة غير المنتظمة، وهو نقد مباشر لمنطق التعديل الجزئي.

 

ثم صعد النائب أحمد فرغلي نبرة المساءلة، فطالب بوقف تعطل منظومة التأمينات وانتقد تأخر صرف المستحقات، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عن إدارة الهيئة، بل طالب بوقف صرف مرتب رئيس هيئة التأمينات جمال عوض الذي يصل إلى الحد الأقصى أسوة بمن توقفت مستحقاتهم.

 

طلبات المناقشة تكشف اتساع أزمة الخدمات والعدالة الاجتماعية

 

لم تقف الجلسة عند قانون التأمينات وحده، إذ فوض مجلس النواب هيئة مكتب المجلس في تحديد موعد لمناقشة طلبات عامة قدمها نواب في ملفات خدمية وتنموية، وهو توسع يكشف أن أزمة المعاشات تتحرك داخل سياق أوسع من الضغوط المعيشية والخدمية على المواطنين.

 

بعد ذلك شملت الطلبات المقدمة من النائبة دينا هلالي و20 عضوا سياسة الحكومة في تنفيذ برامج التنمية الأسرية ودعم استقرار الأسرة المصرية وحماية الأطفال، إضافة إلى طلب آخر بشأن تعزيز الاستفادة من المخلفات وإعادة التدوير ضمن الملفات المؤجلة إلى موعد لاحق.

 

وعقب ذلك تضمنت الطلبات ملف إدارة المياه الجوفية وتعظيم الاستفادة منها بطلب من النائب عبد الحميد دمرداش و20 عضوا، وملف توفير خدمات الإنترنت غير المحدود بديلا عن نظام الباقات بطلب من النائبة رحاب عبد الرحيم الغول و20 عضوا.

 

كما شملت الطلبات حوكمة ودعم الكيانات الشبابية بطلب من النائب أحمد فتحي وأكثر من 20 عضوا، وتطوير قطاع الصناعة ودعم المنتج المحلي والمشروعات الصغيرة، إلى جانب تحديد سعر عادل لتوريد المحاصيل الزراعية في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة.

 

ومن زاوية حقوق العمل يرى كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن الضمان الاجتماعي في مصر يعاني نقصا أساسيا بسبب ضعف حماية البطالة وعدم التأمين الفعلي على قطاعات واسعة من عمال القطاع الخاص، وهو ما يربط أزمة المعاشات بسوق عمل هش ينتج تقاعدا أكثر فقرا.

 

وفي ختام المناقشات أكد النائب عبد المنعم إمام أن المواطن يملك حق السؤال عن أسباب الخلل وموقع المشكلة، مشيرا إلى أن الحكومة أجلت قانونا سبق أن تقدم به بحجة عدم توفر الوقت الكافي للدراسة، بينما رفض تامر عبد القادر المشروع بسبب فجوة الأسعار والمعاشات.

 

وتنتهي هذه الجلسة إلى رسالة سياسية واضحة، فالحكومة التي تطرح قانونا باسم التأمينات تواجه اتهامات من داخل البرلمان بأنها لا تصون الحق التأميني ولا تعالج تعطل الهيئة ولا توازن بين التضخم وقيمة المعاش، بينما يدفع أصحاب المعاشات ثمن التأخير الإداري والقرارات الناقصة من دخلهم وصحتهم وكرامتهم.