خالد البلتاجي

أقدر تماما ان قرار الجماعة بخوض انتخابات الرئاسة كان صدمة للكثير من افراد صفنا ، صدمة تشبه  تلك التي اصابت بعض الصحابة اثر صلح الحديبية ، اذ تغير مسار السفينة فجأة  فارتطمت ببعض صخور هشة متمثلة في سيناريوهات اعدت وقناعات ترسخت فينا ، غير ان اصولنا الثابتة كفيلة بامتصاص مثل تلك الصدمات بإذن الله ،  وعليه فقد ارتأيت التذكير ببعضها ، حتى يظل صفنا امام تلك الحادثة وغيرها قويا متماسكا .. وهذا هو الاهم في المشهد كله.

أولا: اود تلخيص ما حدث كي نبنى عليه .. فقد راجعت الجماعة موقفها لان الخريطة تغيرت ملامحها ، وباختصار رأينا عبدة المصالح الشخصية وقد اتحدوا في الآونة الاخيرة على ايقاف مسيرة انتقال السلطات جميعها الى الشعب والذى هو الهدف الرئيسي للثورة ، فلا حكومة تعبر عن الشعب ولا دستور نقى خال من الامتيازات ولا تحديد لصلاحيات الرئيس (بيده كل الخيوط كما كان سابقا) في اشارة الى نيتهم لاستخدام الرئيس القادم بالضغط عليه ، بل ورأينا محاولات اجهاض اول برلمان حر في تاريخنا ، وذلك بافتعال الازمات ثم بتفريغه من مضمونه وعدم الاستجابة لأى من طلباته ليبدو عاجزا فاشلا حبرا على ورق ، وصار لسان حالهم يقول (برلمانكم هذا بلوه واشربوا ميته ، بل سنحله عند اللزوم بجرة قلم) ، ولم يكن صعبا قراءة نفسياتهم ، فسلوكهم هذا يعتمد على قرارنا بعدم التقدم للرئاسة ظنا منهم انا سنجبن عن مراجعة القرار ، وناموا كما يقول المثل (في بطنهم بطيخة صيفي).

ولعلم قيادة الجماعة ان القرار ليس قرآنا .. كما انه ليس عهدا او ميثاقا وقعنا عليه وان اعتبره البعض كذلك  لكثرة ما رددناه .. فقد لجأت الى مراجعته لتفويت الفرصة عليهم ، واعادة حساب المصالح والمفاسد والتي على راسها توقع حملة تشويه عارمة يقودها الاعلام المغرض وينقاد له فيها الكثيرون ، وعقد مجلس الشورى لأول مرة في تاريخه  ثلاث اجتماعات طويلة خلال اسبوعين ، وتفاعل الرأيان الى اقصى درجة ، وقيل كل ما يمكن ان يقال من حجج لدعم كل منهما ، وذكرت كل التحفظات التي من الممكن ان تصدر عن عموم افراد الجماعة ، ثم انتهى الامر الى تصويت بفارق صوتين فقط  في لقطة شورية راقية لا تحدث في بلادنا ، فبالله علينا بأي الخيارين تأخذ قيادة الجماعة؟

ثانيا : لنتذكر تلك المعاني الحاكمة :    


** ليس امام قيادة الجماعة من خيار اذا عرض لها امران الا ان تخوض غمار الترجيح بينهما من خلال  الاجراءات الشورية الصحيحة وصولا الى الافضل ، وهى آثمة ان لم تفعل ذلك ، ولا يصح البتة ان تستبعد طرحا دون النظر فيه مهما بلغت غرابته او حجم  ردود الافعال المتوقعة ، فلربما كان فيه الخير كله.

** اذا حدث وانفذ قرار من ذلك النوع ثم تحركنا لتنفيذه  طاعة للجماعة فيما نكره مثل طاعتها فيما نحب فقد اصبنا ما طلب الله منا ورسوله ، اما النتائج الدنيوية فهي من اختصاصه سبحانه يفعل  ما يشاء فإنما  نحن - كما تربينا - مجرد اجراء نستر القدرة ونأخذ الاجرة 

** اذا ترتب على ذلك وقوع مكروه – كما يتوقع البعض ويهدد آخرون - فإنما هو قدر مقدور كان سيقع لو اخذنا بخيار آخر بل لو كنا في بيوتنا ، مثلما علق القرآن على ادعاء المنافقين عقب احد بان من قتل من الصحابة ما كان ليقتل لو انهم اخذوا بالرأي الآخر وأقاموا بالمدينة فقال (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم) أي لماتوا على فرشهم في نفس الساعة

** ليس شرطا لصحة قراراتنا ان يصفق لها الناس دائما والعكس صحيح ، لكن شرط الصحة كسائر الاعمال يكمن في سلامة النية وشرعية الطريقة وهى الشورى التي امرنا بها ، وذلك كله ارضاء لله وحده ثم  ليرض بعده من يرض وليسخط من يسخط ، وما أجمل مناجاته ص ربه بعدما لاقى من الايذاء ما لاقى في رحلة الطائف (ان لم يكن بك غضب على فلا ابالى) ، وفى الحديث (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه واسخط عليه الناس ، ومن طلب رضى الله رضى الله عنه وارضى عنه الناس)  
 
** أما تعرضنا نتيجة قرارنا الذى اتخذناه الى حملة من الهجوم والتشكيك والتسفيه فضلا عن الشتائم والسباب ليس من الاعلام المغرض فحسب وانما من كثير من المتعاطفين معنا  تأثرا بما سمعوه  وصدقوه ، فإنما هو من قبيل الابتلاء الذى هو لصيق بنا وسمت طريقنا مذ عرفناه ، بل انه ابتلاء يسير مقارنة بما ابتلينا به في العقود الستة الاخيرة وبما لاقاه دعاة قبلنا في القرون السالفة ، وعليه فمن شيم الدعاة ان نستقبل هذا بالصبر والاحتساب راجين ان يكون هو وما سبقه في موازيننا ، فضلا عن مقابلته بالحسنى التي وصانا بها ربنا وتحلى بها نبينا ص ، ورحم الله امامنا لما قال (كونوا مع الناس كالشجر يرمونه بالحجر فيرميهم بالثمر)

ثالثا واخيرا :


لو صدقنا انفسنا لاكتشفنا .. ان ثقل القرار علينا  لا ينبع من خطأ نراه فيه بقدر ما ينبع من شعورنا بالخزي عند مواجهة الناس ، اذ ماذا نقول لهم وقد اشارت الينا اصابعهم بالاتهام وسط الهجمات الاعلامية الضارية التي تفتك بعقولهم؟ وذاك مربط الفرس .. فما ابشع ان نصاب بهزيمة نفسية؟!

لنتحدث ايها الاخوان مع الناس بأقدام وجرأة وثقة ، لنبين لهم  بصدق تام ما حدث كما حدث من غير تلعثم او التواء او اخفاء للشيء ، فلسنا من مؤيدي المثل القائل (كذب مساوى ولا صدق متنعكش) اذ ليس لدينا الا الصدق مهما كان مستغربا  يثير استهجان القوم ، لأنه يحقق رضا الله الذى بيده الامر كله ، ثم  لنتوكل على الله ونفوسنا مطمئنة بالركون اليه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، ان الله بالغ امره ، قد جعل الله لكل شيء قدرا)
 لنقل لهم بكل ثقة ان جماعتنا لم تخطئ في الموقف او على الاقل لم تقصد الكذب او تقع في تدليس ، وانما  ببساطة عرض لها امران ففعلت ما يرضى الله .. تشاورت واختارت ما رأته الارجح ، حتى لو اصر البعض على كون ذلك نكوصا في العهد فليعتبره اضطرارا لمصلحة الوطن وتقديم مفسدة اصغر على اكبر منها ، فان رمانا بالكذب فلنذكره بتاريخ الاخوان المتخم بالتضحيات والخالي من النفاق ، فان تمادى في غيه فلنقل (حسبنا الله) وليكن الصمت بعد ذلك جوابنا ف(ان الله يدافع عن الذين آمنوا).

ايها الاخوان
: لتمر تلك  الهجمة كغيرها لم تنل منا شيئا ، وليبق صفنا فوق سفينته بإذن الله كعادته قويا متماسكا رغم العواصف  والصدمات ، وليستكمل مسيرته في قيادة شعبنا الحبيب نحو الهداية والنهضة ، مصرا على بناء مصر الجديدة القوية بدينها وابناءها البررة ، نواة الامة الاسلامية الجديدة المتوحدة تحت راية الاسلام ، وما ذلك على الله بعزيز ..... 

ايها الاخوان اثبتوا .. استقيموا يرحمكم الله .. تقدموا ينصركم الله .....