حازم سعيد :
البيان الذي ألقاه المشير طنطاوى ليلة أمس لم يهدئ القطاعات الثائرة ، ويبدو أن من أعد الخطاب لم يكن حريصاً على هذه التهدئة ، بل ازداد الأمر اشتعالاً بعده ، وذلك لمجموعة من الأسباب :
على رأسها المجموعات البلطجية المأجورة والتى تستثمر الغضبة الشبابية ضد انتهاكات الشرطة بالتحرير ، وهى المجموعات التى اتسم أداءها ليلة أمس بالكر والفر ومحاولة استفزاز الجماهير حول مديريات الأمن والأقسام دون فعل حقيقى ، عربات نقل وميكروباصات مليئة ببلطجية معهم أسلحة من نوعية السنج وقنابل المولوتوف تدور دورة حول قسم البوليس أو مديرية الأمن ويرمون بطوبة أو طوبتين لترد عليهم الشرطة بقنبلة مسيلة للدموع أو خرطوشة فيذهبون لمكان آخر فى أداء واضح المعالم لمهمة مستأجرين عليها ، ومع كل دورة يهيج الشباب حول تلك المديريات أو الأقسام .
ثم يأتي بعد ذلك الخطاب نفسه ، والذى حمل بعض المضامين والرسائل :
أولاً : أوصل الخطاب بوضوح مضمون طمأنة أن المجلس العسكري لا ينوى البقاء فى الحكم وأنه لن يستمر وسيسلم السلطة فى موعد أقصاه منتصف العام القادم ، هذا كلام جيد ومطمئن .
ثانياً : إصرار المجلس العسكرى على إجراء الانتخابات فى موعدها وهو تصرف محمود .
ثالثاً : تضمن الخطاب عتاباً واضحاً لكل من وجه إليه النقد ، واعتبر أن هذا النقد مما يفت فى عضد القائمين على إدارة الأمر وأن النقد معوق ومهبط لهمتهم .
رابعاً : خلا الخطاب من لغة الاعتذار عن القتلى والشهداء والانتهاكات البشعة التى ارتكبتها الداخلية خلال الأيام الماضية .
خامساً : خلا الخطاب كذلك من أي أجراءات عقابية لمنتهكى هذه الجرائم البشعة أو حتى تحويلهم للتحقيقات ، وكل الذي حدث هو بيان على الفيس بوك بتحويل التحقيقات فى أحداث ماسبيرو وأحداث الأيام الماضية إلى النيابة المختصة لتباشر عملها ؟!!!
سادساً : حمل الخطاب تلويحاً بإجراء استفتاء بين الشعب لتقرير بقاء الجيش من عدمه ، فى إشارة إلى أن الشعب هو الذي يقرر وليس مجموع الغاضبين والثائرين بالتحرير وحول مديريات الأمن والأقسام .
هذا أهم ما حمله الخطاب - غير الارتجالي - والذى قرأه المشير من خلال الشاشة المعروضة أمامه وأعد سلفاً لتوصيل رسالة محددة بدت وكأنها تتمثل فى أن المجلس غاضب من النقد ، وغاضب من نكران جميله بالوقوف مع الثورة ضد مبارك وأعوانه ، وأنه كذلك لا ينوى البقاء فى السلطة وينوى تسليم السلطة للمدنيين قريباً .
وقفات مع الخطاب
ولنا مع هذا الخطاب مجموعة وقفات :
أولاً : لم يحقق الخطاب التهدئة لجموع الثائرين وذلك بسبب أنه لم يفرق بين خطاب لقوى سياسية تجلس على مائدة مفاوضات ، وبين جموع ثائرة غاضبة مستثارة ومهيجة ( من الداخلية نفسها تهييجاً متعمداً تارة ، ومن البلطجية تارة ، ومن الصمت أو البيان الهادئ المتأخر فى توقيته من قبل العسكرى تارة أخرى ) لم يفرق البيان بين الحالتين .
إن بيان المشير يصلح لتلك القوى السياسية الهادئة التى تدلف إلى المؤتمرات وعندها ضبط نفس وهدوء وحكمة وخبرة الممارسة السياسية ، أما الجموع الثائرة الغاضبة فلا يصلح معها هذا النوع من المسكنات التى تأتي برد فعل عكسى ، وهو ما حدث عقب الخطاب بالأمس .
ثانياً : بدا ذلك جلياً واضحاً حين لم يفرق من أعد خطاب المشير بين خطاب لجموع ثائرة بينها مهيجين يستلزم الخطاب الموجه لهم قرارات تصحيحية وعقابية للمخطئ فى حقهم ولمن هيجهم على السواء ، وبين خطابات الإقناع والأفكار ، فكان خطاب المشير هو خطاب أفكار ومحاولة إقناع بطريقة ما ، ولم يكن خطاباً علاجياً ولا حاسماً .
المشير لم يعتذر عن القتلى والشهداء ولم يظهر أى نوع من التعاطف معهم أو مع ذويهم ، وهو مما يزيد الفجوة بينه وبين الثائرين ويعمق الأزمة لا يحلها ، وكذلك لم يدين أو يضع إجراء عقابى للمنتهكين المجرمين من قناصى الشرطة الذين فقأوا العيون وأزهقوا الأرواح وكسروا العظام - مع أنه يملك ذلك - ، وهو مما يضع المشير فى خندق واحد - فى حس الثائرين الغاضبين - مع أولئك الجناة .
لماذا السكوت على جرائم وانتهاكات الشرطة وعدم اتخاذ قرارات عقابية رادعة واضحة مع الجناة ، من أصدر لهم قرارات الضرب وإطلاق النار ، ومن تركهم بلا عقاب ولا رادع ؟ لم يوضح لنا البيان أي شئ من هذا ؟ وهو مما يزيد الأمر اشتعالاً واحتقاناً .
ثالثاً : أيضاً لم يكن للغة العتاب فى هذا المقام سبيل ، حين عاتب المشير من توجه بالنقد للمجلس العسكري ، فى تخلٍ واضح عن التوقيت المناسب لهذه اللغة العتابية ، حين أهدئ ثائراً أو غاضباً ، فمن الغريب إن كنت حقاً أنوى تهدئته وعلاج مشكلته أن أعاتبه .
وقد قالها الحكيم من قبل :
أقلل عتاب من استربت بوده ...... ليست تنال مودة بعتاب
وهذه جموع ثائرة وصل بها الغضب والاستفزاز لدرجة أنها تشتمك وتطالب برحيلك ، فتخرج عليها معاتباً لائماً أنهم نقدوك ، دون أن تقدم حلولاً جذرية عقابية للمجرمين ، ودون أن تفصل بوضوح قراراتك الحاسمة لتهدئتهم .
رابعاً : إن من أعد الخطاب لم يعد يدرك أن وضع هيئة ما أو جهة ما لتكون فوق النقد هو أحد أهم ما قضت عليه ثورة 25 يناير من موروثات النظام البائد ، وأن ما كان يحدث قبل الثورة من البعد عن نقد مبارك بوصفه الشخص الأول والحاكم لمصر لم يعد يصلح الآن ، بهذه الخلفية والنفسية ينبغى أن نتعاطى مع نقد أى جهة أو هيئة أو شخص فى مصر ، طالما لم يصل الأمر للتجريح أو الطعن فى النوايا والضمائر أو الاتهام بالباطل .
لذلك فلست مع المشير أو من أعد له البيان فى اعتراضه على سيل النقد الموجه للعسكري ، بل ينبغى على من بيده أزمة الأمور أن يتفحص فيما وجه له من نقد ، فما كان منه صواباً فليستفد منه وليصحح مساره ، وما كان منه خطأً فليحمد الله أنه ليس فيه ، وينتهى الأمر عند هذا الحد .
لم يعد هناك جهة أو هيئة أو شخص فوق النقد ... هذا أحد أهم مكتسبات الثورة التى سيحافظ عليها الثوار دائماً ، وهو أحد أهم المتغيرات التى غابت عمن أعد هذا البيان .
وعندنا فى شريعتنا الغراء من تأصيل هذا الكلام الكثير منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة " قلنا لمن يا رسول الله ، قال : " لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم " .
وقديماً قال الحكماء : صديقك من صدقك النصيحة .
خامساً : وهى نقطة قد تبدو بعيدة عن الخطاب ولكنها مرتبطة بمضمون التهدئة والاستفزاز ، فأقول : لماذا الاستفزاز المتعمد من الداخلية بتصوير الفيديوهات ونشرها عقب الجرائم والانتهاكات ، وسأترك لكم فى نهاية المقال رابطاً بفيديو القناص الذى فقأ عين أحد الثوار ، وأريد من القارئ أن يلاحظ أن الذى يصور الفيديو هو عنصر من الداخلية والأمن المركزى ويقوم بسب وشتم المتظاهرين ويستحسن فعل الباشا بقنصه لعين المتظاهر ، ثم يقوم بنشر الفيديو عقب الجريمة مباشرة لتهييج الجماهير واستفزازهم ورفع درجة سخونة الموقف ، فلمصلحة من هذا ؟
وكيف تتآمر الداخلية على هذه الجريمة النكراء فى هذا التوقيت ، ينسجم مع هذا الطرح ما أعلنته الأنباء فى وقت متأخر من ليلة أمس بضبط عقيد أمن دولة سابق بالتحرير ومعه مسدس وشيك بثلاثين ألف دولار وهو مندس وسط الثائرين والمتظاهرين ، فلمصلحة من هذه الممارسة التآمرية القميئة للشرطة والداخلية ؟
سادساً : استغاثة أقسام الشرطة ومديريات الأمن بالإخوان وبحزب الحرية والعدالة وكذلك بالسلفيين وبحزب النور ليلة أمس عقب الخطاب ليغيثوهم فى كثير من أنحاء مصر هى استغاثة غريبة عجيبة مريبة ، أعلم أن الغرض منها استدراج الإخوان - الذين اتخذوا واحداً من أكثر قراراتهم حكمة بعدم الانجرار فى هذه الفتنة - وللأسف فقد انخدع بها إخواننا السلفيون حديثو العهد بالممارسة السياسية فخرجت منهم وفود لتأمين أقسام الشرطة والمديريات فى مهمة لا تخصهم ، وفى تصرف يزيد الموقف اشتعالاً ويدخل فصائل جماهيرية لتواجه فصائل الثوار ( الجماهيرية هى الأخرى رغم وجود بلطجية معهم وهم الذين يحاولون الاعتداء على الأقسام والمديريات ) ليتم تصدير المشكلة للشعب حتى يواجه الشعب نفسه وتزداد الفتنة وتتعمق .
أما أن الاستغاثة غريبة وعجيبة حيث أن الشرطة التى تملك السلاح والردع تستغيث لحمايتها بمن لا يملك سلاحاً ولا ردعاً إلا أجسادهم البشرية ، فهل تتدرع الشرطة وتترس بأجساد الإخوان والسلفيين ليبيدهم البلطجية ، أو لتعمق هوة المأساة بدخول الفصائل الجماهيرية والشعبية مثل الإخوان والسلفيين فندخل إلى النفق المظلم مرة أخرى ، وذلك هو سر كونها استغاثة مريبة أيضاً ، حيث بدا وكأن واحداً ما من الداخلية والشرطة والجهات السيادية يحرص كل الحرص على توريط الإخوان الذين اتخذوا القرار الأحكم ، رغم علهم بما سيجره ذلك القرار لهم من اتهامات بالعمالة أو الوقوف فى خندق العسكري لمصلحتهم الخاصة وترك مصالح الشعب ، رغم رفض الإخوان لتقسيم الناس إلى خنادق هكذا ... ولكنها المصلحة العامة والتجرد ونكران الذات يقدمه الإخوان درساً عملياً خالصاً لكل من يحب بلده .
سابعاً : على شباب الإخوان المسلمين وعلى العاملين بالتيارات الجماهيرية الأخرى وأخص السلفيين الحذر من الاستفزاز والاستثارة والدخول طرفاً فاعلاً فى المعادلة ، لأن ذلك سيعنى عودتنا إلى نفقٍ مظلمٍ ، وعدم الحفاظ على ما حققناه من مكتسبات فى المرحلة الماضية ، وتأجيل الانتخابات ، بما يعنيه من ضياع فرصة ذهبية فى ممارسة ديمقراطية حقيقية تعود بالشعب المصري إلى الريادة والسيادة ، وإلى أن يمتلك قراره ويحكم نفسه بإرادته .
ثامناً : على الإخوان الاستعداد من الآن بأجهزتهم الإعلامية المختلفة لموجات الردح ووصلات الشتائم والسباب التى ستوجه إليهم على أنهم تخلوا عن الثورة والثوار ، وأخشى أن يكون تطويل الأمر وتعمد تعميق الأزمة بعد تيقن الذين حاولوا توريط الإخوان فى المسألة من فشلهم فى استدراج الإخوان ، أقول : أخشى أن يكون هذا التطويل بغرض إيجاد فجوة بين الإخوان وبين الجماهير وبين الثوار ، فليستعد الإخوان وجهازهم الإعلامى فأمامهم معركة على هذا الجانب ، وفقهم الله ، ووفق كل من يهمه مصلحة هذا البلد ويعمل مخلصا على رفعتها بين الأمم ... اللهم آمين
-----------
[email protected]
رابط فيديو القناص :

