ممدوح الولي

خبير اقتصادي ونقيب الصحفيين سابقًا

 

تقوم أية حكومة في بلدان العالم بإعادة توجيه ما تحصل عليه من إيرادات لتحسين الأحوال المعيشية لمواطنيها، حيث تقوم بتوجيه ما تحصله من أنواع الضرائب والرسوم، وأرباح ما تملكه من شركات وهيئات، وما تحصل عليه من منح؛ إلى أوجه الإنفاق المختلفة، من أجور للعاملين في الحكومة وتوفير المستلزمات اللازمة للعمل اليومي في الوزارات والمصالح الحكومية والمرافق، ودعم الشرائح الاجتماعية غير القادرة، وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها، فإذا لم تف الإيرادات في المطلوب قامت في الاقتراض حتى تلبي الاحتياجات المجتمعية.

 

وبالنظر إلى أوجه الإنفاق في الموازنة الحكومية المصرية في النصف الثاني من العقد الأول في الألفية الجديدة، نجد أن مخصصات الدعم تأتي في المرتبة الأولى، تليها مخصصات أجور ومكافآت وبدلات موظفي الحكومة في الوزارات والهيئات الخدمية والمحليات، ثم فوائد القروض الحكومية، فالاستثمارات الموجهة لبناء المدارس والمستشفيات والبنية التحية من طرق ومياه شرب وصرف صحي ومساكن.

 

إلا أن صورة أولويات الإنفاق في الموازنة المصرية والنصيب النسبي لقطاعات الإنفاق في الوقت الحالي قد تغيرت تماما، ففي العام المالي 2009/2010 كان النصيب الأكبر للإنفاق في الموازنة متوجها للدعم بنسبة 26 في المئة، يليه الأجور بنسبة 22 في المئة ثم فوائد الدين الحكومي 18 في المئة، والاستثمارات الحكومية 12 في المئة، والدفاع والاشتراك في المنظمات الدولية وسداد ما على الحكومة من ضرائب وتعويضات 7 في المئة، ونفس النسبة لمستلزمات إدارة دولاب عمل الجهاز الحكومي من أدوات مكتبية وانتقالات وإنارة ومياه وصيانة وغيرها، وأقل من 7 في المئة لأقساط الدين الحكومي، وأقل من 1 في المئة للمساهمات الحكومية في الهيئات الاقتصادية.

 

وهكذا كان النصيب لتكلفة الدين الحكومي من فوائد وأقساط 25 في المئة، ليتبقى لوزير المالية حيز مالي بنسبة 75 في المئة في الإنفاق في الموازنة يوجهه لباقي أبواب الموازنة الستة الأخرى. لكن توسُع النظام الحاكم منذ يوليو 2013 في الاقتراض للإنفاق على كثير من المشروعات غير ذات الأولوية للمصريين، قلب خريطة التوزيع النسبي للإنفاق في الموازنة، حيث أصبحت فوائد الديون تحتل المركز الأول منذ العام المالي 2016/2017 وما تلاه، مع تزايد النصيب النسبي للفوائد من الإنفاق من أقل من 25 في المئة في العام المالي الأول لتولي الجيش السلطة، إلى 49 في المئة في العام المالي 2024/2025 وهو آخر عام مالي صدرت أرقامه النهائية.

 

 

المركز الأول والثاني للفوائد والأقساط

 

وكانت الصورة أشد مع بند سداد أقساط الديون الحكومية المحلية والخارجية التي كانت تحتل المركز السابع بين بنود الإنفاق الثمانية من حيث القيمة أواخر عهد الرئيس مبارك، لكنها انتقلت من المركز الرابع في العام الأول لنظام الحكم الحالي، إلى المركز الأول بأوجه الإنفاق في العام المالي الثاني له، كما زاد نصيبها النسبي من الإنفاق من أقل من 11 في المئة في العام المالي السابق على تولي الجيش السلطة، ليزداد نصيبها النسبي إلى 29 في المئة في العام المالي 2024/2025، واستمرت في الزيادة لتصل إلى أكثر من 34 في المئة في العام المالي الحالي 2026/2027.

 

وهكذا شهدت الموازنة المصرية منذ العام المالي 2019/2020 تناوب كل من الفوائد وأقساط الدين للمركزين الأول والثاني في الإنفاق وحتى العام المالي الحالي، أي لمدة ثماني سنوات متتالية، ليصل نصيب تكلفة الدين من فوائد وأقساط في العام المالي الحالي 63.9 في المئة، ليتبقى لوزير المالية نسبة 36 في المئة فقط من مجمل الإنفاق في الموازنة البالغ 8.2 تريليون جنيه، قام بتوجيهها بنسبة 10 في المئة لكل من الدعم والأجور، وأقل من 7 في المئة للاستثمارات الحكومية، وأقل من 4 في المئة لمستلزمات الجهات الحكومية اليومية، و3 في المئة للدفاع والاشتراك في المنظمات الدولية، و2 في المئة للمساهمات في الهيئات الاقتصادية.

 

وعندما نجد مخصصات فوائد الدين الحكومي ما بين العام المالي الأول للنظام الحاكم 2013/2014، وحتى العام المالي الحالي، أي خلال 14 عاما، قد بلغت 12.3 تريليون جنيه لم يستفد منها المواطنون بشيء، وذهبت إلى الأجانب والبنوك الدائنة للحكومة والجهات الحائزة على أدوات الدين الحكومي، فإن الأمر يدعو إلى التساؤل عما لو كانت تلك القيمة قد اتجهت إلى تحسين الخدمات المُقدمة للمصريين، وكم كانت ستساهم في تحسين أحوالهم المعيشية.

 

الأخطر أنه يُتوقع استمرار تغول نصيب تكلفة الدين من فوائد وأقساط على باقي بنود الإنفاق خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار التوسع في الاقتراض الحكومي، وهو ما تشير إليه أرقام دين أجهزة الموازنة العامة والتي زادت من أقل من 7 تريليونات جنيه بمنتصف عام 2022، إلى 9.6 تريليون في منتصف العام التالي، ثم إلى 12.5 تريليون في منتصف عام 2024، ثم إلى حوالي 15 تريليونا في منتصف عام 2025، ثم إلى 17.85 تريليون جنيه في مارس من العام الحالي.

 

 

تأخر سداد مستحقات الموردين والمقاولين

 

وهكذا يضطر وزير المالية إلى إعطاء الأولوية لسداد فوائد وأقساط الدين الحكومي لضمان استمرار إمكانية الاقتراض، من خلال إصدار أوراق الدين الحكومية من أذون خزانة وسندات خزانة والاقتراض من السوق المحلية والخارجية، على حساب الإنفاق في باقي أوجه الإنفاق الأخرى في الموازنة، وهو ما ينجم عنه تعدد أوجه الضرر في المواطنين خاصة البسطاء ومحدودي الدخل منهم.

 

فالعاملون في الحكومة والبالغ عددهم 4.666 مليون موظف لن تتحسن أجورهم في القدر الذي يفي بمجابهة أسعار السلع والخدمات المستمرة في الارتفاع، مما يدفع بعضهم لفرض إتاوات لإنجاز الأعمال التي يطلبها الجمهور منهم، كما أن العاملين بوظائف مؤقتة سيتأخر تثبيتهم، كذلك سيتعطل إدخال موظفين جدد مهما كانت حاجة العمل تتطلب ذلك كما يحدث في مجال التدريس والصحة.

 

كما أن ضعف مخصصات شراء السلع والخدمات الخاصة بتدبير احتياجات العمل اليومي في المصالح الحكومية، سيؤدي إلى قيام أهالي نزلاء المستشفيات الحكومية بشراء المستلزمات الطبية على نفقتهم الخاصة، وتحمّل المواطنين نفقات انتقال اللجان الحكومية للمعاينات، كما ستتأخر الجهات الحكومية في دفع ثمن ما اشترته من التجار من مستلزمات مختلفة، والتأخر في دفع مستحقات المقاولين نظير ما أنجزوه من أعمال، مما يؤثر على أنشطتهم وقدرتهم على سداد ما عليهم من التزامات للتجار وأجور للعاملين لديهم، كما ستقل قدرة الإنفاق على الصيانة والنظافة والمرافق في الجهات الحكومية مما يؤثر على تراجع مستوى جودة أماكن تقديم الخدمات.

 

ويؤدي خفض مخصصات الدعم إلى عدم إدخال المواليد الجدد للبطاقات التموينية منذ عام 2005 وحتى الآن، رغم تكرار وعود رئيس الوزراء مصطفي مدبولي بقيدهم، وكلك ثبات قيمة الدعم المخصص للفرد في البطاقات التموينية عند خمسين جنيها للفرد حتى أربعة أفراد للأسرة، و25 جنيها للفرد لأكثر من الأربعة أفراد، وذلك منذ منتصف عام 2017 وحتى الآن، رغم زيادة سعر السلع التي يتم توزيعها مثل الزيت والسكر وغيرها أكثر من مرة، مما يقلل الكميات التي يتم الحصول عليها من تلك السلع في المبلغ الثابت.

 

 

معاشات هزيلة للأسر الفقيرة

 

كذلك زيادة أسعار المنتجات البترولية عدة مرات ونفس الأمر لأسعار الكهرباء، وضعف قيمة معاشات تكافل وكرامة، حيث يقل نصيب الأسرة بكاملها عن الحد الأدنى الرسمي للفقر للفرد الواحد، حيث تحصل الأسرة التي لديها طفلان على 648 جنيها شهريا حاليا، و125 جنيها للتلميذ في الابتدائي و156 جنيها للطالب في الإعدادي و219 جنيه للطالب في الثانوي، بحد أقصى ثلاثة أبناء، بينما بلغ خط الفقر عام 2019/2020 نحو 856 جنيها للفرد شهريا، وهي قيمة لم تعد مناسبة بعد ست سنوات من استمرار الغلاء، ورغم ذلك يبلغ معاش الأرملة والمطلقة ومهجورة العائل التي لم تنجب على 705 جنيهات شهريا.

 

ومع نقص مخصصات الاستثمارات الحكومية ستطول مدة تنفيد المشروعات الخدمية من مدارس ومستشفيات وطرق وغيرها، وتهالك وسائل الانتقال في الجهات الحكومية خاصة في الأقاليم وضعف مخصصات دراسات الجدوى قبل تنفيذ المشروعات، كما يؤدي نقص مخصصات الصيانة لسوء حالة عنابر المستشفيات والفصول الدراسية والطرق المرصوفة، وكذلك تدهور حالة مباني تقديم الخدمات الحكومية، مثل أماكن توثيق الشهر العقاري وغيرها.

 

ولا يقتصر أثر تزايد نصيب فوائد الدين في الموازنة على تراجع مستوى الخدمات التي يحصل عليها المواطنين، بل يواكب ذلك زيادة في الأعباء التي يتحملها المواطنون في إطار سعى الحكومة لزيادة مواردها، من خلال فرض المزيد من الضرائب والرسوم وتقليص الإعفاءات الضريبية للعديد من السلع والخدمات، حتى أصبحت لا تكاد توجد جهة حكومية تقدم خدماتها في المجان للمواطنين دافعي الضرائب.

 

ولا يتم الاكتفاء بفرض رسوم على تقديم الخدمة، بل يتوالى رفع رسوم تقديم الخدمات كل فترة، مثلما يحدث في الخدمات التي تقدمها وزارة الداخلية والعدل، ومثلما يحدث مع رسوم تراخيص السيارات وخدمات الأحوال المدنية واستخراج جوازات السفر، كما شارك المحافظون بفرض رسوم أخرى غير الرسوم المركزية، على الخدمات الموجودة في محافظاتهم أيا كان نوع الخدمة، بمبرر عدم كفاية المخصصات المقررة للمحافظة من الموازنة العامة، والتي تنخفض بسبب توجيه 2.420 تريليون جنيه لسداد فوائد الديون في العام المالي الحالي.